
لم تنجُ أيُّ روح سودانية من مرارة الحرب فقد تركت آثارها القاسية في كل بيت وامتدت ظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة جميعها ومن قلب هذه المعاناة وقفت نساء بلادي شامخات يخضن امتحان الصبر والثبات ويجتزن المحن بصلابة نادرة وإرادة لا تنكسر فالصبر عند البلاء جزاء وقد أجادت نساء السودان هذا الدرس عبر التاريخ فقد كان ومازال تاريخ المرأة في دارفور ليس هامشًا في دفتر التاريخ السوداني بل هو عنوانٌ بارزٌ على صفحةٍ كتبتها نساءٌ من نورٍ ونار.
إنها قصة متفرّدة تستحق الوقوف عندها لأنها ليست حالة اجتماعية عابرة بل بنيةٌ حضارية ضاربة الجذور في عمق السلطنة والمجتمع حيث كانت المرأة شريكةً في القرار وصاحبة كلمة وصوت مسموع في مجلس الحكم منذ فجر سلطنة دارفور وكانت صاحبة قدح الميرم الذي يطعم كل جائع فكانت تُعامل بوصفها ركنًا من أركان الدولة لها ثروتها المستقلة ورأيها المستقل ومكانتها المحفوظة في نظام اجتماعي عرف قيمة العقل والعدل والعطاء أكثر من كثيرٍ من الأنظمة الحديثة
وفي بلاط السلطان وُجدت (الإيا باسي) أي (الأخت العظيمة للسلطان) بجيشها الخاص ورايتها المرفوعة وصهيل خيلها الذي يسبق صوت الطبول كانت تظهر يوم العرضة تمتطي فرسها كفرسان الرجال يحيّيها الناس إجلالًا ويحترمها الأمراء إجماعًا فهي من تكرم الضيف وهي من تسد الفرقة وهي الأخت والزوجة والمستشارة والراعية والملهمة تسهم في القرار وتُدير شؤون الناس وتملك حقّ الرفض والمساءلة ومن بين تلك القامات خلد التاريخ أسماء نساءٍ نادرات المثيل ك(الميرم تاجه بنت زكريا بن محمد الفضل) أخت السلطان علي دينار التي كان يُستشار رأيها في القضايا الكبرى والإيا باسي زمزم بنت السلطان محمد الفضل عمة السلطان علي دينار التي كان نفوذها يمتد إلى ميدان السياسة والمجتمع هؤلاء النساء لم يكنّ مجرد نساء بلاط، بل أعمدة دولةٍ وركائز سلطان وذلك التاريخ لم ينتهِ بانتهاء السلطنة ولم يُدفن تحت رمال دارفور بل ظلَّ حيًّا في ذاكرة نساء الإقليم في الريف والمدينة في البيت والميدان في المنابر والمدارس وظلّت المرأة الدارفورية تحمل إرث (الإيا باسي) في صوتها في نظرتها في كرامتها التي لا تُشترى امرأةٌ تحمل من الكبرياء ما يجعلها تقف في وجه الريح ولا تنحني تعرف معنى الكلمة وتدرك أن الأرض لا يحرسها إلا من يؤمن بها ومن رحم هذا التاريخ الطويل ومن بين هؤلاء النسوة تتقدم عزيزة بدر عبدالعزيز حرم حاكم إقليم دارفور التي جسّدت نموذج المرأة السودانية الأصيلة المرأة التي تمنح دون تردد وتبذل دون انتظار مقابل وتتحمل ثقل المسؤولية بصمتٍ ورضا
عزيزة… بت تلك الأرض الطيبة بت حيشان الفاشر صاحبة القلب البشوش والوجه المرح والروح المرنة لا تعرف الكلل ولا تتراجع أمام الصعاب فهي ابنة دارفور دار الكرم والأنفة حيث ينزل الضيف منزلة أهل الدار وحيث لا ينام الناس جوعى وأهل السودان في كل مناطقه تجمعهم ذات الروح وإن اختلفت البيئات غير أنّ لدارفور خصوصيتها التي يشهد لها القاصي والداني
عاشت عزيزة مع شعبها الحرب بكل تفاصيلها وذاقت مثلهم مرارة الفقد والخوف والتشريد وكانت تعلم في قرارة نفسها أنّ المرأة الدارفورية من أصلب نساء الأرض وأكثرهن قدرة على العمل والاحتمال والسعي فهي امرأة من فولاذ لا تلين عند المواقف ولا تتنازل عن مبادئها صافية السريرة عفيفة اليد صادقة اللسان ولم تكن مبادرتها الأخيرة مجرد خطوة بروتوكولية بل كانت امتدادًا لرحلة معاناة طويلة رحلة بدأت من الفاشر إلى الدبة قطعها الناس سيرًا على الأقدام في ظل الجوع والبرد والحرمان وانعدام مقومات الحياة لأكثر من عامين بسبب اعتداءات مرتزقة وغزاة لا يعرفون غير لغة القتل والنهب وترويع الأبرياء بعثت عزيزة بدر قافلتها النوعية للوافدين إلى الدبة تأكيدًا لاهتمامها بأهلها وحرصها على تخفيف معاناتهم ولو بالقليل والقليل عند الطيبين كثير وخاصة حين يحمل نية صافية ويدًا تمتد بالعطاء وقد كان لهذا الموقف أثر كبير في نفوس أهل معسكر العفاض بالدبة فالمساعدة مهما بدت صغيرة فإن وقعها الإنساني كبير خاصة في زمن الألم وهكذا تثبت الأيام أنّ السودان يسع الجميع وأنه بلد يتشارك فيه الناس الوجدان قبل المكان وما نشهده اليوم من التفاف الناس حول الجيش والقوات المساندة ومن مظاهر التضامن الشعبي يمثل أكبر لحمة وطنية منذ سنوات طويلة لحمة عبّرت عن نفسها في الفرح بالنصر والبكاء على الشهداء ورفض الخراب والعزم على البناء إني على يقين بأن حواء السودان قادرة على تجاوز المحنة وأن ما تبقى من عتمة الحرب قليل قياسًا بما يملكه الشعب من صبر وإرادة المرأة السودانية كانت وستظل مصدر القوة الأولى لهذا الوطن فهي التي تحضن أبناءها حين يشتد الخوف وتشد أزر الرجال حين يضعف الصبر وتبني بيديها ما تهدمه الحرب..
ولا يفوتنا أن نبارك لقواتنا المسلحة والقوات المشتركة وقوات العمل الخاص ولواء درع السودان وكتائب البراء والمستنفرين تقدمهم في محاور كردفان وهم يخوضون أشرس المعارك دفاعًا عن الأرض والعرض في مواجهة المليشيات المتمردة نسأل الله أن ينصرهم ويثبت أقدامهم
إلى عزيزة بدر… كلمة وفاء
الشكر والامتنان هما جسر الود بين البشر وهديتك الإنسانية التي قدمتها مهما رأيتها قليلة فقد كانت كبيرة في أثرها عظيمة في معناها.
(ويد بيد نحو التراحم) شعار حملته القافلة وكان كافيًا ليختصر الرسالة كلها جزاك الله خير الجزاء وجعل ما قدمتِ في ميزان حسناتك وبارك في كل يدٍ تمتد للخير في هذا الوطن
أحترامي…



