
في السياسة كما في الغابة، لا يحدث الضجيج عبثًا” ولا تتكاثر الهجمات صدفة. حين ترى الأصوات تعلو فجأة والسهام تنطلق من كل اتجاه والنباح يتكاثر بلا مضمون فاعلم أن هناك هدفًا كبيرًا في مرمى النار. قاعدة قديمة لا تخطئ: الكلاب لا تجتمع إلا على أسد.
الضعفاء لا يهاجمون منفردين ولا يملكون شجاعة المواجهة المباشرة. هم يعرفون ميزان القوة جيدًا ولذلك يتكتلون ويصرخون ويشوهون، ويملأون الفضاء ضجيجًا” علّهم يغطّون على حقيقة واحدة: أنهم خائفون. فالأسد لا يُخيفهم بقوته فقط، بل بثباته وبقدرته على الوقوف دون أن ينجرّ إلى مستوى النباح.
في الواقع السوداني تتكرر هذه الصورة بوضوح فاضح. كلما برز صوت مختلف أو موقف صلب أو طرح حاول كسر دائرة العبث والتسيّب، تكالبت عليه حملات التشكيك والتخوين والتسفيه. لا نقاش موضوعي، لا حجة، فقط صراخ منظم، وأوصاف جاهزة، واتهامات تُرمى بلا دليل. هذا ليس اختلافًا سياسيًا، بل فزع جماعي.
الهتيفة والرزقية – بأشكالهم الجديدة – لا يتحركون دفاعًا عن فكرة، بل خوفًا على مصالحهم. هم لا يقاتلون لأنهم على حق، بل لأن ظهور الأسد يهدد سوقهم، ويكشف خواءهم، ويكسر احتكارهم للصوت والقرار. لذلك يرفعون مستوى النباح، ظنًا منهم أن كثرة الأصوات تصنع شرعية، وأن التشويش قد يُسقط الهيبة.
لكن التاريخ – القريب قبل البعيد – يقول عكس ذلك. لم يسقط الأقوياء يومًا بسبب الضجيج، بل بس


