رسالة من أم إلى وزير التربية والتعليم معالي وزير التربية والتعليم الاكرم

أكتب إليك اليوم بصفتي أم أولًا، وناشطة ومواطنة تخاف على هذا الوطن وجيله القادم… أكتب لأنني أرى أبناءنا يضيعون بين دفاتر الامتحانات، وأحلامهم تختنق تحت ضغط التعليم الذي فقد روحه. للأسف، مدارسنا لم تعد بيئة للتعلّم، بل تحوّلت إلى مراكز اختبارات متواصلة… ما إن ينتهي امتحان الشهر الأول حتى يبدأ الثاني، ثم التقويم ، ثم النهائي، وكأن العام الدراسي سباق مرهق من الاختبارات لا أكثر. أصبح الطالب يعيش في حالة توتر دائمة، يحفظ ليوم الامتحان ثم ينسى بعدها كل شيء… لم يعد هناك وقت لاكتشاف الهوايات، ولا لتطوير المهارات، ولا حتى لالتقاط أنفاس الطفولة. المدرسة فقدت متعتها، والبيت تحوّل إلى غرفة طوارئ دراسية، الأمهات في حالة استنفار، الآباء متوترون، والمعلم مرهق يلهث خلف المنهاج الذي لا ينتهي.
يا معالي الوزير..
المنهاج طويل، والفصل قصير، والضغط كبير… المعلم لا يملك ترف التعمّق في الشرح، ولا الطالب يملك فرصة للفهم الحقيقي…
صرنا نخرّج جيلاً يعرف كيف يحفظ، لكن لا يعرف كيف يفكر.
جيلًا “مبرمجًا” على الامتحان فقط، لا على الحياة.
هذا ليس تعليمًا… هذا أسلوب تجهيل ممنهج يقتل الشغف، ويُضعف الروح، ويُنتج جيلًا بلا مهارة ولا معرفة ولا فضول.
نحن الأمهات نعيش هذا الوجع يوميًا، نرى أبناءنا يدرسون بلا رغبة، يحفظون بلا فهم، ينجحون بلا تعلّم…. نعيش القلق، نُدرّس معهم، نتابعهم، ونخسر نحن وهم توازننا النفسي والاجتماعي.
أين أنتم يا وزارة التربية والتعليم من هذا المشهد؟
أين الحل؟ أين الإصلاح الحقيقي؟
إلى متى ستبقى المدرسة مكانًا يُرهق الطلاب والمعلمين والأهل جميعًا؟ نحن لا نطلب المستحيل.. نريد فقط أن تعود المدرسة حياة… أن تعود التعليم رسالة لا سباقًا.
نريد نظامًا يُنمّي العقول لا يُرهقها، ويُخرّج أجيالًا تفكر وتبدع، لا تحفظ وتنسى.
من قلب كل أم، ومن ضمير كل مواطنة غيورة على هذا الوطن،
أقولها بصدق:
أنقذوا أبناءنا، قبل أن نفقدهم داخل نظام لا يرحم.
#رسالة_من_أم
التعليم صار يأثر على علاقة الام مع أولادها والحياة الأسرية
*تعليق*
احسب ان الرسالة شخّصت الداء وتبحث عن الدواء…
بهذه العبارة يمكن اختصار جوهر هذه الرسالة، فهي ليست انفعالًا عاطفيًا عابرًا، بل صرخة تربوية واعية نابعة من معايشة يومية حقيقية لواقع التعليم داخل البيت والمدرسة معًا.
تعليق تربوي بحت:
هذه الرسالة نجحت تربويًا في تشخيص المشكلة بدقة؛ إذ وضعت يدها على أحد أخطر اختلالات النظام التعليمي المعاصر، وهو تحوّل التعليم من عملية تعلّم إنساني متكاملة إلى سباق اختبارات مرهق. فالتركيز المفرط على التقويم الكمي (الامتحانات المتلاحقة) أفرغ التعليم من معناه، وحوّل الطالب إلى آلة حفظ مؤقت، لا متعلّم باحث عن الفهم.
من منظور تربوي، ما وصفته الأم يعبّر عن:
هيمنة التقويم على التعلّم بدل أن يكون التقويم أداة لخدمة التعلم.
ضغط المنهج والزمن بما لا يراعي الفروق الفردية ولا الإيقاع النفسي والعقلي للطفل.
تآكل الدافعية الداخلية لدى المتعلم، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب العملية التعليمية.
تداخل سلبي بين المدرسة والأسرة؛ حيث تحوّل البيت من فضاء أمان ودعم إلى امتداد قلق للمدرسة، مما أثّر على العلاقة بين الأم وأبنائها وعلى الاستقرار الأسري.
كما تكشف الرسالة بوعي واضح أن مخرجات هذا النمط هي: جيل يجيد النجاح الورقي، ويعاني ضعفًا في التفكير الناقد، وحل المشكلات، والمهارات الحياتية، وهي كفايات جوهرية في التربية الحديثة.
تربويًا، قوة هذه الرسالة لا تكمن فقط في النقد، بل في الدعوة الضمنية للإصلاح؛ فهي تطالب بتعليم:
يُعيد التوازن بين التعلّم والتقويم.
يمنح المعلم مساحة للشرح العميق لا اللهاث خلف المنهج.
يحفظ للطفل إنسانيته وطفولته، لا أن يسلبه إياهما.
يراعي الصحة النفسية للطالب والأسرة والمعلم معًا.
خلاصة تربوية: هذه الرسالة تمثل صوت الميدان الحقيقي، وتؤكد أن إصلاح التعليم لا يبدأ من الكتب فقط، بل من فلسفة التعليم نفسها:
هل نريد طالبًا يحفظ ليجتاز امتحانًا، أم إنسانًا يتعلّم ليحيا ويفكّر ويبدع؟
إنها رسالة أم، لكنها في الحقيقة وثيقة تربوية مجتمعية، تستحق أن تُقرأ في مكاتب صُنّاع القرار قبل أن تُنشر في وسائل الاتصالالجماهيري.


