
مع بزوغ هلال شهر رجب الأصب، وفي هذه الأيام المباركة التي جعلها الله حُرماً، ينسابُ في عروق الزمن نداءٌ ليس ككل النداءات، وصيحةٌ تنبعث من قلب التراب السوداني المكلوم لتهزَّ الوجدان وتستنهض العزائم إنه نداء الوحدة في زمن الشتات ونبض الإخاء في وجه رياح الفتنة. إننا اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، نقف فيها على أعتاب شهرٍ حُرّم فيه القتال، وأُمرت فيه النفوس أن تراجع حساباتها مع الخالق والخلق، فكيف لنا أن نُبقي على نيران الخلاف مستعرة بينما ينادينا الركن الحرام أن كفّوا أيديكم وضمّوا صفوفكم؟
يا أهل السودان يا أمةً جُبلت على القيم والمبادئ إنَّ الوطن يناديكم: لا تفرّقوا فتذهب ريحكم، ولا تختلفوا فتضيع هيبتكم، بل كونوا إخوةً في جسدٍ واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. إنني أدعوكم اليوم، دعوة الصادق المحب، أن تضمّوا الصفوف وتنبذوا الفرقة، فإياكم ثم إياكم أن تُقدِّموا ما تبقّى من أشلاء الوطن قرباناً لمطامع زائلة أو فتنٍ عابرة. اصبروا وصابروا، وتعالوا فوق الجراح، ولا تدعوا الأعداء يمزقون نسيجكم ويضحكون عليكم في الخفاء وهم يرون بنيانكم ينهار بأيديكم.
وعند حرمة هذا الشهر الذي عظّم الله قدره، نبعثها رسالةً مدوية إلى كل من حمل السلاح في وجه أخيه أو وطنه: حان الوقت لثوب الرشد، توبوا إلى ربكم، واحفظوا حرمات هذا الدم السوداني الغالي، فما بنى الرصاص يوماً وطناً، وما أعزَّ القتالُ أمةً منقسمة. وللذين ظلموا وأفسدوا وما زالوا يبذرون الشقاء في هذه الأرض الطيبة: ارجعوا إلى الحق، وردوا المظالم إلى أهلها، وحكّموا العدل في الرعية، فما استقام ملكٌ على ظلم، ولا قرّت عينٌ نهبت حق غيرها. إن المواطن المكلوم لا يطلب اليوم معجزات، بل ينشدُ أماناً يسكُن إليه، وعدلاً يغشاه، ووطناً يحتضنه.
ليكن شهر رجب هذا ميثاقاً غليظاً بيننا وبين الأرض، أن نكون يداً واحدة، وقلباً واحداً، لنبني ما انكسر، ونرمم ما تهدّم، ونحفظ للسودان كرامته التي لا تُباع ولا تُشترى. إنها دعوة للوحدة، للحب، وللحياة.. فهل من مجيب لنداء الوطن.



