الأخبار المحلية

الدولة التي تنتصر عسكريا لا تُهزم إداريا

بروفيسور بله احمد بلال

حين تنتصر الدولة في ميدان القتال فإنها لا تحصد مجرد تقدم عسكري على الأرض بل تفتح صفحة جديدة من اختبار أكثر تعقيدا وأشد حساسية هو اختبار الإدارة الرشيدة وبناء السلام وترميم ما تصدع من مؤسسات وثقة عامة. فالانتصار العسكري لحظة فاصلة لكنه ليس نهاية الطريق بل بدايته الحقيقية.
التاريخ يخبرنا أن جيوشا كثيرة انتصرت في الميدان لكنها تعثرت في إدارة ما بعد النصر فسقطت في فخ الفوضى أو عادت دوامة الصراع من أبواب أخرى. ويكفي أن نتأمل تجارب دول أعادت بناء نفسها بعد الحرب العالمية الثانية مثل ألمانيا واليابان حيث لم يكن التحول مجرد تفوق عسكري بل مشروع دولة أعاد صياغة الإدارة والاقتصاد والتعليم والهوية الوطنية على أسس حديثة. فالنصر هناك اكتمل بالإدارة لا بالسلاح وحده.
وفي المقابل فإن دولا أخفقت في تحويل مكاسبها العسكرية إلى استقرار مؤسسي دفعت ثمنا باهظا من أمنها وتنميتها لأن الإدارة الضعيفة تهدر ثمار التضحيات وتفتح المجال للفساد والمحسوبية وازدواجية القرار.
في السياق السوداني تبدو المعادلة أكثر حساسية. فبلاد أنهكتها الحرب والانقسامات تحتاج بعد أي تقدم عسكري إلى يقظة إدارية مضاعفة. الانتصار الحقيقي لا يقاس بعدد المواقع المستعادة بل بقدرة الدولة على إعادة الخدمات إلى المواطن في أطراف المدن والقرى وعلى فرض سيادة القانون بعدالة وعلى بناء جهاز مدني مهني لا تحكمه الولاءات الضيقة.
إن الدولة التي تنتصر عسكريا ثم تتراخى إداريا تفرط في فرصتها التاريخية. أما الدولة التي توائم بين الحسم الأمني والإصلاح المؤسسي فإنها تؤسس لاستقرار طويل الأمد. فالإدارة الرشيدة ليست ترفا بعد الحرب بل شرطا لاستدامة السلام وصيانة وحدة البلاد.
المرحلة المقبلة في السودان تتطلب رؤية واضحة لإعادة الإعمار وتحديد الأولويات وضبط المال العام وتمكين الكفاءات لا مكافأة المقربين. كما تتطلب خطابا وطنيا جامعا يداوي الجراح ولا يعمقها ويؤسس لمواطنة متساوية لا تمييز فيها.
فالدولة التي تنتصر عسكريا لا ينبغي أن تُهزم في مكاتبها ولا أن تتعثر في قراراتها ولا أن تضيع بين تضارب الصلاحيات. لأن الإدارة القوية هي التي تحمي النصر من التآكل وتحوله إلى استقرار وتنمية وعدالة.
النصر العسكري يحرر الأرض. أما الإدارة الرشيدة فتحرر المستقبل.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى