أزمة الكهرباء في شندي بين تراجيديا العتمة سَأَمِ الدراما التركية ..
علي نــــــــار هادئــــــــــــة خالـــــد محمـــد الباقــــــــر

تستبد بمدينة شندي، الرابضة على ضفاف النيل العظيم بولاية نهر النيل، حالةٌ من الوجوم الوجودي الذي يفرضه غياب التيار الكهربائي، في مشهدٍ بات يحاكي في تمدده وإسهابه تلك المسلسلات التركية الطويلة التي لا تعرف لانتهاء فصولها سبيلاً، حيث أصبحت “الكهرباء” بطلاً تراجيدياً يتقن فن الغياب أكثر من الحضور، تاركةً المواطن السوداني في مواجهةٍ مباشرة مع فراغٍ زمنيٍّ مُثقلٍ بالعتمة والانتظار، إن هذا الانقطاع المستمر والمتكرر لم يعد مجرد عطبٍ فني عابر، بل تحول إلى “مطمطة” درامية بائسة تستنزف الصبر، وتجعل من ساعات الليل دهوراً من المعاناة التي تتكرر أحداثها برتابةٍ قاتلة، حتى كأن القدر قد سطر على أهل هذه الديار أن يعيشوا تفاصيل سيناريو لا ينتهي من الوعود المعلقة على حبال الأمل الواهية، وفي خضم هذا الظلام الدامس الذي يلف الأرجاء، يبرز “البعوض” كعنصرٍ دخيلٍ ومستبد، استغل ثغرات العتمة ليعلن عن نفسه صديقاً لئيماً وفارضاً لسيطرته على المكان، حيث يستفرد تحت جنح الظلام بالأجساد الغضة للأطفال والوهنة للكهول، محولاً ليل شندي من فضاء للراحة والسكينة إلى ساحة استنزافٍ صحي ونفسي، تتشابك فيها أنات الصغار بأزيز الأجنحة المتربصة، في ظل غياب أبسط مقومات الرفاهية المتمثلة في نسمة هواءٍ يبردها تيارٌ كهربائي مفقود، ولم يتوقف أثر هذه المعضلة عند حدود الظلام الجسدي، بل امتد ليعصف بمعايش الناس وأرزاقهم، مسبباً إرباكاً حاداً في دورة الحياة العملية، حيث باتت الغالبية العظمى في حيرةٍ من أمرها حيال الوفاء بالتزاماتها المهنية والحياتية في مواعيدها المضروبة، حتى تحولت أزمة الكهرباء إلى “حجة” مريحة وتكأةٍ لكل متهربٍ ومُتسبب، يتخذ منها عذراً واهياً لتبرير التقاعس والهروب من واجبات الإنتاج والالتزامات، مما أدى إلى حالة من الترهل العام في جسد المجتمع، وهي أزمة تضع القائمين على إدارة هذا المرفق الحيوي، من قمة هرم الوزارة وصولاً إلى أبسط موظفيها وخفرائها، تحت مجهر المسؤولية الأخلاقية والدينية الجسيمة، فهم جميعاً مسؤولون أمام الله عن هذه “البشتنة” والمشقة التي يتجرعها المواطن صاغراً، ولو أدرك هؤلاء المسؤولون حجم السخط الجارف الذي يملأ الصدور، أو استشعروا وقع السهام التي تطلقها دعوات المظلومين في جوف الليل جراء هذا التقصير، لآثروا السلامة وتقدموا باستقالاتهم فوراً زهداً في حمل أمانةٍ تنوء من عظمها الجبال، فالحقوق لا تسقط بالتقادم، وصوت الأنين المنبعث من البيوت المظلمة هو حجة بالغة سيسألون عنها يوم تُرد المظالم لأهلها، وتنتهي فصول هذه الملحمة العبثية التي أرهقت كاهل الصبر وبددت طمأنينة الليالي.



