المسرح القومي بأمدرمان يعود ، ويعلن قيامة الفينيق واستعادة الذاكرة المنهوبة ..

: خالـد محمـد الباقـــر
تصويــر : عصــام بابكــــر
في سيمفونية الخلود الثقافي، تبرز بعض الأمكنة كأوتارٍ جوهرية لا يستقيم لحن الأمة دون رنينها، ومن هذه الصروح الباذخة يتجلى المسرح القومي بأمدرمان؛ قلعةً شامخة تشهد على مجدٍ تليد، وتأبى الانحناء أمام غبار التحديات، فما إعادة تأهيل هذا الكيان الذي طالته يد العبث والدمار إلا إعلانٌ صريح عن استعادة الروح، وتأكيدٌ جازم على أن الهوية السودانية ضاربة الجذور في أعماق التاريخ، عصيةٌ على المحو أو التبديد. إن هذا الحدث الجلل، بحضوره الرسمي الرفيع الذي تقدمه عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق ركن مهندس إبراهيم جابر، وقيادة الدولة متمثلة في الدكتور كامل إدريس ووالي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة، جنباً إلى جنب مع وزراء الثقافة والإعلام بقيادة الاستاذ خالد الاعيسر، لم يكن محض احتفالية عابرة، بل كان بياناً سياسياً وثقافياً صيغ بعناية فائقة، لتبلغ رسالته مداها الأبعد إلى كل من استهدف السودان في خاصرة وجوده.
إن الحرب التي استعرت في الخرطوم لم تكن، في نظر البصيرة النافذة، عشوائية الأهداف، بل كانت هجمةً شرسة استهدفت تقويض “الذات السودانية” في أنبل تجلياتها؛ حيث امتدت يد التخريب لتطال الجامعات التي هي منارات الفكر، والمدارس التي هي قلاع النشء، بل ولم تسلم منها حتى دار الوثائق القومية، مستودع ذاكرة الأمة وكنز تاريخها، وصولاً إلى استباحة صروح الإذاعة والتلفزيون وتحويلها من منابر للوعي إلى ثكنات للدمار . لقد تجاوزت غايات تلك الحرب احتلال الأرض إلى محاولة استئصال الهوية وطمس المعالم الثقافية، تمهيداً لعملية “تغيير ديموغرافي” قسرية تستبدل نسيج الشعب السوداني بأفواجٍ غريبة عن ملامحنا وتاريخنا، وفي هذا المشهد المأساوي، ظل المسرح القومي بصمته المهيب شاهداً على محاولة اغتيال الذاكرة الجماعية لشعبٍ بأكمله.
⭕ لكن الهوية السودانية، كالفينيق الأسطوري، أبت إلا أن تنتفض من بين الركام، فها هي مؤسسات الوعي تسترد ألقها وعافيتها، وفي طليعتها “أبو المسارح”، ذلك المنبر الذي ظل لأكثر من ستة عقود منارةً لترقية الوجدان ورافعةً للقيم الوطنية الأصيلة. إن تلك الأعمال الخالدة التي صدحت بها خشبته، من “خطوبة سهير” و”أكل عيش” و”المك نمر”، إلى “نبتة حبيبتي” و”عنبر المجنونات”، لم تكن مجرد عروض فنية، بل كانت صياغةً حقيقية لوجدان الشعب، ومرآةً عاكسة لتطلعاته؛ لذا فإن عودة “العافية” إلى جسد المسرح اليوم هي انتصارٌ ساحق للمُثل، وبرهانٌ على أن المعاني تظل محصنةً في الصدور مهما نالت يد التجريف من المباني.
⭕ إن المسرح هو “أب الفنون”، ومن مَعينه تنبثق الحكمة القائلة ،”أعطني مسرحاً، أعطيك أمة”، وهي مقولة تعكس الدور المحوري للفن في تشكيل الكيانات السياسية وحماية الأمن القومي، فالفنون ليست ترفاً، بل هي حائط الصد الأول عن الهوية. ومع استئناف الحراك التعليمي والإعلامي من قلب الخرطوم، واكتمال تأهيل المسرح القومي، تستعيد الدولة السودانية قبضتها على مؤسسات صياغة الوعي، في انتصار استراتيجي لا يقل أهميةً عن تحرير الأرض من دنس المعتدين. فكل التحية لتلك السواعد التي تضافرت، من جهاز المخابرات العامة إلى كافة المؤسسات الوطنية، لتعلن من فوق خشبة المسرح أن السودان، بوعيه وفنه وتراثه، ماضٍ في طريقه نحو استعادة مجده وبناء مستقبله، وأن هويته ستظل دوماً هي الدرع الحصين الذي تتحطم عليه كل المؤامرات.

