شندي .. مِحور الريادة الصحية ومنارة التدريب الميداني ، قراءة في زيارة طلاب كلية الصحة جامعة الخرطوم ..
الأستاذة سامية عثمان .. تقود أنجح برنامج تدريبي لمستقبل الصحة في السودان.

محلية شندي تتحول إلى مختبر مفتوح .. وخبراء الإدارة يشرحون “العمود الفقري” للعمل التنفيذي …
متابعات : خالــد محمــد الباقــر
في تمازجٍ فريد بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الميدانية، احتضنت مدينة شندي العريقة وفد طلاب المستوى الرابع بكلية الصحة العامة وصحة البيئة بجامعة الخرطوم، في رحلة علمية تجاوزت أطر الزيارات التقليدية لتستحيل إلى منصة تدريبية متكاملة. تأتي هذه القافلة، التي تضم أكثر من خمسين فرداً بقيادة إشرافية من الدكتور محمد فضل احمد الرضي ، رئيس قسم الوبايئات كلية الصحة جامعة الخرطوم والأستاذة زينب عبد الوهاب ، لتعكس عمق التنسيق والاحتفاء العلمي، حيث حظيت برعاية كريمة من الأستاذ الحاج بله أحمد سومي، المدير التنفيذي للمحلية .
وقد تجلت ملامح الاحترافية والتميز في هذا البرنامج من خلال المخطط الإستراتيجي والمحتوى التدريبي الرصين الذي صاغته ببراعة الأستاذة سامية أحمد عثمان، مدير الإدارة العامة للصحة والسكان بالمحلية؛ حيث عكست هندسة البرنامج خبرة تراكمية ودربة واسعة في إدارة الملفات الصحية، مبرهنةً على فكرٍ قيادي ثاقب استطاع تحويل الزيارة من مجرد جولة استطلاعية إلى منهج تدريبي متكامل الأركان. وقد أجمع المراقبون والمشاركون على أن هذا المخطط وضع الطلاب أمام صورة حقيقية وشاملة للتحديات والحلول الصحية بذكاء تنظيمي لافت.
ولعل أبرز ما ميز هذه المحطة التدريبية هو الجلسة الحوارية الرفيعة التي استضافتها القاعة الرئيسية بمحلية شندي، والتي جمعت طلاب القافلة بصفوة قيادات الإدارات التنفيذية، حيث تجلت في هذا المحفل الرسمي الرؤية التكاملية لمفهوم الإدارة الصحية. افتتح الجلسة الأستاذ عبد الملك فضيل ، ممثلاً للمدير التنفيذي، بتقديم “فذلكة” إدارية عميقة استعرض من خلالها تراتبية العمل الإداري، واصفاً إدارة الصحة والسكان بالعمود الفقري الذي يربط بين مفاصل العمل المحلي ويحقق توازنه .
وفي ذات السياق التكاثفي، قدم الأستاذ علم الدين موسى، مدير إدارة الثقافة والإعلام والاتصالات، رؤية تحليلية معمقة حول دور الإعلام كجسرٍ حيوي لإيصال الرسائل الصحية للمجتمع؛ مؤكداً أن كافة المواعين والقوالب الإعلامية كانت حاضرة وبقوة في بث الوعي الصحي، مشيراً إلى استخدام “روشتات الدراما” والمنتديات الثقافية، وتفعيل دور الإعلام الشعبي كأدوات تأثير مباشرة تلامس وجدان المواطن، مما جعل الرسالة الصحية تتجاوز النمط التقليدي لتصبح سلوكاً مجتمعياً معاشاً .
ولم تنفصل البنية الاجتماعية عن هذا السياق، حيث أكدت الأستاذة هويدا الجزولي، مدير الشؤون الاجتماعية، على الارتباط العضوي بين إدارتها والقطاع الصحي، معتبرة أن الصحة هي حجر الزاوية في بناء السلم الاجتماعي. ومن زاوية إدارية بحتة، استعرضت الأستاذة مواهب تاج السر، مدير شؤون الأفراد، الهيكل التنظيمي المحلي، ملامسةً الجانب المهني للطلاب المستقبليين . وفي تشريح تقني دقيق، أوضح المهندس هشام الإمام، مدير الإدارة الهندسية، العلاقة الوطيدة التي تجمع الهندسة بالصحة العامة، لاسيما في ملفات الأسواق وإمدادات المياه.
وفي ذروة النقاش، تجلت حكمة وخبرة الأستاذة سامية عثمان، التي وصفت بأنها موسوعة حية في علوم إدارة الصحة والسكان، حيث أدارت دفة الحوار بذكاء حصيف، رابطةً بين الرؤى الإدارية والسلوك المجتمعي. وقد شددت في حديثها على ضرورة الشراكات الواسعة لمواجهة ملفات الصحة الشائكة التي باتت تشكل هاجساً حقيقياً، مؤكدة أن الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول. وقد أثمر هذا اللقاء تلاقحاً للأفكار من خلال مداخلات الطلاب النوعية التي أجاب عليها مدراء الإدارات بكل شفافية تحت سقف القاعة الرئيسية التي شهدت ميلاد رؤية تدريبية جديدة .
هذا الحراك الفكري والإداري يسير جنباً إلى جنب مع برنامج ميداني مكثف، يمتد من الثالث والعشرين وحتى الحادي والثلاثين من يناير، يتنقل فيه الطلاب بين الوحدات الإدارية، وإدارات الوبائيات، وفرق الاستجابة السريعة، ومكتب الملاريا، بالإضافة إلى الجولات التفتيشية في مسلخ شندي، وزيارات لمصانع الأغذية ومستشفى شندي، فضلاً عن المشاركة في برامج التغذية المجتمعية والتوعية المدرسية. وتختتم هذه التظاهرة العلمية بجوانب ترويحية وثقافية تشمل زيارة جامعة شندي ومعالم المنطقة الطبيعية، لترسم بذلك مدينة شندي لوحة وفاءٍ وتقديرٍ لجيل واعد من حماة الصحة العامة في السودان.



