الإدارة الأهلية في ديار المسيرية الماضي والحاضر مقارنة بين الإيجابيات والسلبيات

حين نتحدث عن الإدارة الأهلية في ديار ديار المسيرية فإننا لا نتحدث عن مجرد بنية تقليدية، بل عن مؤسسة شكّلت لقرون عمود التماسك الاجتماعي وحائط الصد الأول أمام الفتن والنزاعات. فهي ليست سلطة عرفية فحسب، بل منظومة قيم، وأعراف، ومسؤوليات متوارثة أسهمت في تنظيم الحياة الرعوية والزراعية، وحماية الحواكير، وصيانة النسيج الاجتماعي.
لا أزعم أنني عاصرت قمة مجد الإدارة الأهلية؛ فحين كانت في أوجها لم أكن قد وُلدت بعد، وقد علمت أنها حُلّت في عهد الرئيس جعفر نميري ضمن سياسات إعادة هيكلة الحكم المحلي، ولم تعد بعد ذلك بذات الصورة والهيبة. لكن من خلال ما وصلنا من روايات الكبار، ومن واقع التجربة المعاصرة، يمكن تلمّس الفروق بين الأمس واليوم.
في الماضي، كانت الإدارة الأهلية تستند إلى قبول شعبي مباشر. يُختار الناظر من بيوتات معروفة بالحكمة والتجربة، وفق الأعراف والتقاليد، دون تعقيدات تنظيمية حديثة. كانت قراراتها نافذة بحكم الهيبة والالتزام المجتمعي، وكان المجتمع الريفي والرعوي مطيعاً لها، يرى فيها المرجعية الأولى في النزاعات والحقوق والمسارات. كما تمتعت بسلطات شبه قضائية، وكانت سنداً للحكومات المحلية، بل الذراع الاجتماعي الذي يضبط الأمن ويحتوي الخلافات قبل أن تتفاقم.
غير أن تلك المرحلة لم تكن خالية من المآخذ؛ فالوراثة كانت هي الغالبة في الاختيار، ولم تكن الكفاءة معياراً حاسماً دائماً، كما أن المؤسسية الحديثة بمعاييرها المعروفة اليوم لم تكن حاضرة.
أما اليوم، فقد عادت الإدارة الأهلية في بيئة أكثر تعقيداً. تغير المجتمع، وتبدلت القيم، وتعددت مراكز النفوذ. من أبرز السلبيات التي برزت ظاهرة التسييس، حيث تأثرت بعض القيادات بالصراعات الحزبية، مما أضعف حيادها التاريخي. كما أدى تعدد النظارات والإمارات وظهور كيانات أهلية جديدة إلى انقسامات داخلية أضعفت وحدة القرار.
وتزداد الإشكالية حين تنجرف بعض القيادات نحو أطراف الصراع المسلح، ومن بينها الارتباط بقوى مثل قوات الدعم السريع أو غيرها من أطراف الحرب، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وغياب دعم مؤسسي من الدولة. إن قبول الدعم المالي أو اللوجستي من أي طرف سياسي أو عسكري يضعف استقلال القرار الأهلي، ويُفقد الإدارة الأهلية أهم ما كانت تتميز به: الحياد والمرجعية الجامعة.
الحقيقة المؤلمة أن الإدارة الأهلية لم تُدعَم بالموارد الكافية لتؤدي دورها بكفاءة، فضعف الإمكانات فتح الباب أمام الاحتواء والاستقطاب. كما أن تراجع الالتزام بالأعراف نتيجة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية قلّص من هيبتها التقليدية.
لكن رغم كل ذلك، لا يمكن اختزال الإدارة الأهلية في أخطاء المرحلة الراهنة. فهي ما تزال تمثل رصيداً اجتماعياً كبيراً، وقادرة — إذا ما أُعيد تحصينها بالاستقلال المؤسسي والمالي — أن تلعب دوراً محورياً في رتق النسيج الاجتماعي، ونزع فتيل النزاعات، وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع.
لسنا بحاجة إلى استنساخ الماضي كما كان، ولا إلى القطيعة معه، بل إلى صيغة توازن تجمع بين أصالة العرف وحداثة المؤسسية. إدارة أهلية مستقلة، غير مسيّسة، تستند إلى الكفاءة والقبول الشعبي، وتبقى على مسافة واحدة من الجميع.
فهي إن صلحت، صلح معها حال الريف، وإن ضعفت، اهتزّت معها ركائز المجتمع.
شكرآ أخي الكريم جمعه عبدالكريم الشهير بطالبان الباحث وعضو هيئة علماء غرب كردفان للعنوان
والله من وراء القصد.



