
إقامتي في القاهرة لشهورٍ عديدة أدخلتني في دائرة الإرتقاء بِـروحِ التَمجِيد و الإطراء بمذاقٍ فريد، دواخِلي فرَضت عليَّ أن أهيمَ في بلدٍ عرضها تاريخٌ بعيد و بعيد كُلما التفتُ إندَهشت و كُلما نظرت إنقسمت أساريري و تَفتَّحت منافِذُ تفكيري و اشتعلت عندي لهفة الرغبة. كل شيءٍ هُنا في مصر تقف عليه و تَتَعمَّق تفاصِيلُه وأنت في حالةٍ من الذهول لأن كل قرنٍ من القُرون التي وَلَّت تحكي عن عظمة هذا البلد، حَزمتُ حقيبتي و أوراقي وكلُ الأقلام إلى الإسكندرية التي تحكي عن نفسها منذ زمان مؤسِسُها الأول “بطليموس” وهو اليد اليُمنى للإسكندر الأكبر المقدوني، و عندما علِمتُ أن هذه هي الإسكندرية الثالثة وقد غَرِقت قبلها الأولى و الثانية طِوال ألف عامٍ قد مضت و الإسكندرية بحرُها يقع شرقاً و غرباً و روحُ شعبِها تترائَى في وجوهٍ مُنيرة و دائماً ما يتسابقون بِوُدٍ مُتدفق على شوارِعِهم التي يبُثُ منها رائحة البحر الأبيض المتوسط و الذي يحمل في دواخِلِهِ أضخم الآثار القديمة وعندما أتحدث أبدأ بأول الأحياء المعمورة، المندرة، العصافرة، و سيدي بشر وهم يُطِلُّون على البحر و ثم تمضي إلى الجزء الغربي من البحر سبا باشا، رشدي، و سيدي جابر وهي وسط المحافظة كليوباترا و أُخريات و تبقى مكتبة الإسكندرية معلماً فاق حد الوصف و الخيال، وهناك مكتبات قد غرقت أيام الإسكندر مما يعني أن الإسكندرية هي موقع للأدب و التوثيق التاريخي و التي غطاها البحر بكل أسرارها وتظل الإسكندرية القديمة وهي الآن تحت البحر بها مسَلّات و معابِد و تبقى الإسكندرية بتلك المساجد بِرسمها و بيانِها و فخامتها تؤكد تاريخ هذه المدينة، وهناك المقام و المرسى أبو العباس بالقُرب من قلعة البحر و الأولياء الصالحين و سيد الدرداء و لازالت هناك بعض الأسوار موجودة و تظل الآثار لوحة جمالية مثل المسرح الروماني وعمود السواري و المقابر الملكية وتتكون من 32 سلماً تحت الأرض، و إذا ذهبنا إلى الناحية الفَنِّية هناك نماذج مشهورة أمثال سيد درويش و بيرم التونسي و يظل أحمد زويل هو الشخصية التي تحكي عن مكانة هذه المدينة القديمة العريقة وهو الرجل الذي نالَ جائزة نوبل، وتبقى حِكاية ريا و سكينة عام 1920 منظومة تحكي عنها الأجيال ولا زالت صورهم موجودة داخل منزلهم بمنطقة المنشية الأبان وهم أول نساء يتم الحُكم عليهم بالإعدام لأفعالهم الإجرامية ولكنهم ظلُّوا رواية و قصة متداولة حتى الآن. و تبقى المساجد الكُبرى تَسِع على مساحتها بإضاءات مُنيرة مثل أمثال المرسي أبو العباس وعبد الحليم محمود و الجامع العمري، و تظل الناحية الإبداعية للإسكندرية تأخُذك إلى إشراقات مُمعنة في التاريخ الفنِّي أمثال ثُلاثي أضواء المسرح ياسمين صبري، محمود عبد العزيز، سناء جميل، فاروق الفيشاوي، عِزَّت العلايلي، يحيى الفخراني و سعيد صالح، شويكار، فيفي عبدو، و محمد نجم، هؤلاء رسمٌ فنِّيٌ بديع يجعلك أن تقِف و تأخُذ أنفاسك قليلاً لِعظمة هؤلاء المُبدعين فناً راقياً باقياً في تاريخ مصر. ومن هذا الإستنتاج البديع جلست أُدَقِق هذا التفوق المسكون بالإبداع وهو متلازمات تاريخية إستطاع الموثِّق المصري أن يجعلها متواليات يُمكن للإنسان أن يقف عليها و يستجمع أنفاسه لأحداثٍ خالِدة فيها قيمة الإنسان المصري قديماً و حديثاً، و إن مصر يتجَسَّد فيها كُل تفاصيل التاريخ الملموس بِشواهِده و مُسمَّياتِه المُتناقِلة بثوابِت ليس فيها نشوز أو زيادة أو قصور في التدوين.
إذا أحببتُ أن أسرد لهذه المدينة التاريخية الملامح التوثيقية المُتواضعة بما يجعلني أحس بأن الإسكندرية مدينة عشقتها فعَشِقتني لأنني كُنت راغِباً أن أسرُد جُزءاً يسيراً لأضخم مدينة في تاريخ الوطن العربي وهذه هي لحظات رافقتُني عبر تأثير وِجداني و شاركني فيها إبن مصر الأصيل الأخ فارس أبو يوسف من الإسكندرية في نقاط ساعدتني في كيفية أن أكتب عن هذه المدينة التي عِشتُ فيها أياماً جعلتني أُحس بأن هذا الوطن جميل ستظلُ فيه إشراقات و ملامح على مدى التاريخ باقية في وجدان الإنسان.
*آخر العُمق*
في الإسكندرية مسحة جمالية و عمران يأخذك إلى مسافات بعيدة من الإبداع المحسوس و الملموس على جوانب هذه المدينة القديمة.. الإسكندرية قضيتُ فيها أياماً إلتمستُ عظمتها المُندَسَّة في عُمق البحر و جلست على شواطئ هذا البحر القديم و تمَعَّنتُ فيه عبر مسافات بعيدة أنظر هناك إلى تلك السُفُن تتراقص على أمواجٍ هادِئة و شبابٌ على الشواطئ يسبحون بتحدٍ وسِباق على سطح البحر، نظرت إلى هذا البحر القديم و تمَعَّنتُ أكثر وأدركتُ أن في عُمقه ثرواتٌ قديمة إذا خرجت على سطح البحر أحدثت متغيرات في طبيعة الإنسان الحديث.
داخل البحر أسرارٌ تتمدد و حِكاياتٌ تتعدد و ثرواتٌ تفوق التفكير وتجعل الإنسان يقرأ أكثر المشاهد الخالدة حتى يأذن الله رحيل الأرض بمحيطاتها وبحارها وانهارها العذبه نعم؛ الإسكندرية مخلدٌ لِصفحاتٍ لتاريخٍ هو أقدم تاريخ في الأرض.
*همسة العُمق*
كلما عرفته عن هذه المدينة العريقة أدركتُ و تعلَّمت أن مصر بلدٌ صاحب إرثٍ و عراقةٍ و منظومةٍ لا مثيل لها ناهيك عن الفراعنة و الأهرامات، فهي بلدٌ أحسبُها في تقديري أن الخالق العظيم يعلم أنها خلق فيها سرٌ باقي بِـلونية لا يُمكن لإنسانٍ أن يُفسِرها أو يكتب عنها، وقد سبق أن كتبوا عنها كثيراً ولازالت تحمل في طياتها أعظم سرٍ في تاريخ الدنيا عشقتُها نعم، قبل أن تعشقني و عَشِقتني قبل أن أعشقها وتلاقت الرؤيا مع الفكرة وحدثت في دواخلي رحلةٌ من الشجنِ الصادق.


