الأخبار المحلية

التعليم الفني في السودان… من تعليم الدرجة الأخيرة إلى مفتاح النهضة

بروفيسور بلة احمد بلال

ظلّ السودان لعقود طويلة يعاني من تأخرٍ تنموي واضح مقارنةً بالعديد من دول العالم وحتى ببعض الدول التي مرت بظروف اقتصادية وسياسية مشابهة. هذا التراجع لم يكن وليد الصدفة بل نتاج تراكمات طويلة من السياسات الخاطئة وفي مقدمتها إهمال التعليم الفني والتقني الذي يُعد حجر الأساس لأي نهضة اقتصادية حقيقية.
وفي خضم هذا الواقع القاتم جاءت زيارة رئيس الوزراء كامل إدريس إلى المدرسة الصناعية ببيت المال كمؤشر إيجابي لافت يعكس بداية إدراك رسمي متقدم لأهمية التعليم الفني والتقني ودوره المحوري في بناء الدولة. فهذه الزيارة تتجاوز كونها خطوة بروتوكولية لتبعث برسالة سياسية ومجتمعية مفادها أن القائمين على أمر الدولة بدأوا يعيدون النظر في أولويات التعليم وينظرون إلى التعليم الفني بوصفه ركيزة أساسية للتنمية لا مسارًا هامشيًا أو ثانويًا. وإذا ما تُرجمت هذه الإشارات إلى سياسات عملية وخطط مستدامة فإنها قد تشكّل نقطة تحوّل حقيقية في مسار التعليم والتنمية في السودان.
لقد انشغلت السياسات التعليمية في السودان منذ الاستقلال بالتوسع في التعليم الأكاديمي النظري على حساب التعليم الفني والتقني حتى ترسخت قناعة خاطئة مفادها أن التفوق الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الشهادات الجامعية. وبمرور الوقت أصبح التعليم الفني يُقدَّم باعتباره خيارًا اضطراريًا أو ملاذًا أخيرًا لمن لم تسعفهم فرص التعليم العام وهو ما أفرغ هذا القطاع من كفاءاته المحتملة وأضعف دوره في خدمة الاقتصاد الوطني.
وزادت النظرة الاجتماعية السائدة من تعقيد المشكلة إذ يُنظر إلى التعليم الفني في أوساط واسعة من المجتمع على أنه تعليم من الدرجة الأخيرة لا يليق إلا بمن فشلوا في المسارات الأكاديمية. وهي نظرة مجحفة تُقلل من قيمة العمل المهني واليدوي وتتناقض مع تجارب الدول المتقدمة التي تضع الفنيين والتقنيين في قلب العملية الإنتاجية وتمنحهم مكانة اجتماعية واقتصادية رفيعة. هذه الثقافة السلبية أسهمت في عزوف الأسر عن توجيه أبنائها نحو التعليم الفني وأفرزت فجوة خطيرة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
في المقابل تقوم الاقتصادات الحديثة على العامل الماهر قبل أن تقوم على حَمَلة الشهادات العليا. فالصناعة والزراعة المتطورة والطاقة والاتصالات والبنى التحتية جميعها تعتمد على كوادر تقنية مدرَّبة تمتلك مهارات عملية دقيقة. أما في السودان فقد أدى ضعف التعليم الفني إلى الاعتماد على العمالة غير المؤهلة أو اللجوء إلى استيراد الخبرات من الخارج ما ترتب عليه ارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع جودته وإهدار فرص تشغيل الشباب المحلي.
والأخطر من ذلك أن غياب التعليم الفني الفاعل أسهم بصورة مباشرة في ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب لا سيما خريجي الجامعات النظرية في مقابل نقص حاد في الفنيين المهرة. هذا الاختلال البنيوي أفرز اقتصادًا هشًا عاجزًا عن استيعاب طاقاته البشرية أو تحويلها إلى قوة إنتاجية حقيقية قادرة على دفع عجلة التنمية.
كما انعكس إهمال التعليم التقني سلبًا على القطاع الزراعي الذي يُعد العمود الفقري للاقتصاد السوداني. فغياب التقنيات الحديثة ونقص الكوادر الفنية المدربة أبقيا الزراعة حبيسة الأساليب التقليدية ضعيفة الإنتاجية رغم ما يملكه السودان من موارد طبيعية وإمكانات هائلة كان يمكن أن تجعله سلة غذاء إقليمية وعالمية.
إن النهوض الحقيقي بالسودان لن يتحقق بالشعارات أو التوسع الكمي في إنشاء الجامعات بل يبدأ من إعادة الاعتبار الجاد للتعليم الفني والتقني من خلال تحديث المناهج وربطها بسوق العمل وإنشاء معاهد تقنية متطورة في جميع الولايات وتحسين الصورة الذهنية للتعليم الفني عبر الإعلام والمؤسسات التربوية إلى جانب إشراك القطاع الخاص في التدريب والتأهيل وتوفير حوافز مادية ومعنوية تحفظ للفنيين مكانتهم المستحقة.
ختامًا فإن بقاء السودان في مؤخرة دول العالم ليس قدرًا محتومًا بل نتيجة خيارات يمكن تصحيحها. وإذا ما تحولت الإشارات الإيجابية مثل زيارة دكتور كامل ادريس رئيس الوزراء للمدرسة الصناعية ببيت المال إلى سياسات واضحة وإرادة حقيقية فإن السودان قد يبدأ فعليًا رحلة الخروج من دائرة التهميش والانطلاق نحو التنمية من المدرسة الفنية ومن الورشة ومن يد العامل الماهر.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى