الجلابية البلقاها مقاسو يلبسها مدير افتراضي لجامعة افتراضية حين يصبح الكرسي أوسع من المؤسسة
بروفيسور بله احمد بلال

مقال افتراضي وأي تشابه مع الواقع محض مصادفة.
في جامعة افتراضية جلس مدير افتراضي على كرسي إدارة مؤسسة كبيرة. جامعة لها كلياتها وأماناتها وإداراتها وأقسامها وأساتذتها وطلابها ولوائحها ومجالسها.
جلس الرجل في مكتبه وأغلق الباب على الجامعة وفتح الباب على نفر من المقربين.
ومن يومها صار للجامعة طريقان هما:-
اولا” طريق رسمي يفترض أن تمر عبره المعلومات والتقارير والمجالس والقرارات.
ثانيا” طريق آخر أقصر وأسرع يمر عبر البطانة(حواريين رجال حول المدير حيران).
وكان الطريق الثاني هو المفضل للمدير الافتراضي.
لم تكن هناك زيارات ميدانية تذكر ولا جولات منتظمة على الكليات ولا وقوف على أحوال الأمانات والإدارات ولا جلسات استماع حقيقية مع أصحاب المسؤوليات. ولا رغبة كبيرة في أن يرى المدير الجامعة بعينيه ما دام هناك من يراها له ثم يعود إليه بما رأى.
وهكذا أصبح الرجل يعرف جامعته من خلال رواية الآخرين عنها.
وهذه في الإدارة بداية حكاية لا يستهان بها.
المدير الذي لا يسأل عن التقرير
في المؤسسات التي تعرف معنى الإدارة التقرير ليس ورقة ترفع إلى المسؤول ثم تدفن في ملف. التقرير عين الإدارة حين لا تكون العين موجودة في الميدان.
يكشف ما تم وما لم يتم وما تعثر ولماذا تعثر وما يحتاج إلى قرار وما يحتاج إلى تدخل وما ينبغي أن يستمر وما ينبغي أن يتوقف.
لكن مدير الجامعة الافتراضية لم يكن من هواة التقارير
ولا يطالب عمداء الكليات بتقارير منتظمة ولا يلاحق أمناء الأمانات. ولا ينتظر تقارير مديري الإدارات. ولا يستفسر كثيرا عن تقارير رؤساء الأقسام الأكاديمية والإدارية.
وإذا جاءه تقرير من تلقاء نفسه فلا مشكلة.
يصل التقرير إلى المكتب. يفتح الملف وربما لا يفتح. ثم يجد التقرير طريقا” سهلا” إلى الدرج.
لا رد. لا استيضاح. لا استدعاء لصاحب التقرير. لا نقاش. لا قرار. لا متابعة.
والتقرير الذي لا يقرأ ليس تقريرا” بالمعنى الإداري. والذي يقرأ ولا يناقش لا يصنع معرفة. والذي يناقش ولا ينتج عنه قرار لا يصنع إدارة. والذي يصدر بشأنه قرار ولا يتابع ليس أكثر من حبر حسن النية.
حين تصبح الأدراج أكثر نشاطا” من الإدارة
قد تكون الأوراق كثيرة بينما الإدارة قليلة. وقد تتراكم التقارير بينما تغيب القرارات. وقد تمتلئ الملفات بينما لا تتحول المعلومات إلى فعل.
وهنا لا تعود المشكلة في كثرة الأوراق وإنما في انقطاع الدورة الإدارية.
معلومة ثم قراءة ثم نقاش ثم قرار ثم تنفيذ ثم متابعة.
إذا انقطعت حلقة من هذه السلسلة ضعفت الإدارة. وإذا انقطعت كلها أصبحت التقارير مجرد أوراق تتبادلها المكاتب.
والجامعة ليست في حاجة إلى تقارير تحفظ. إنها في حاجة إلى تقارير تحرك القرار.
لا زيارة ميدانية
الجامعة لا ترى كاملة من خلف المكتب.
المكتب يعطي المدير الأوراق. أما الميدان فيعطيه الحقيقة.
في الميدان يرى المدير القاعة التي تقول التقارير إنها جاهزة. ويرى المعمل الذي قيل إن معداته مكتملة. ويرى المكتبة التي تبدو في الورق قائمة لكنه قد يكتشف أن بعض ما يحتاجه الطالب ليس فيها.
ويلتقي الموظف الذي لا يستطيع أن يكتب ما يقوله وجه بوجه. ويستمع إلى الأستاذ الذي قد لا يجد في التقرير مساحة ليقول إن هناك مشكلة. ويلتقي الطالب الذي لا يعرف لغة المكاتبات الإدارية.
الميدان لا يجامل.
ولهذا فإن الزيارة الميدانية ليست صورة تذكارية ولا بروتوكولا” إداريا” إنها وسيلة لمعرفة الحقيقة.
والمدير الذي لا يذهب إلى الميدان قد يعرف كثيرا” عن الجامعة لكنه قد لا يعرف الجامعة نفسها.
البطانة حين تصبح النافذة جدارا”
لا أحد يقول إن المدير لا يحتاج إلى رجال يثق بهم. بل يحتاج.
فالمدير الذي يعمل بلا فريق يرهق نفسه ويضعف قراره ويضيق نطاق معرفته.
لكن هنالك فرق كبيرا” بين فريق يساند المدير وبطانة تدير له الصورة.
الفريق المهني يقول إن هذا خطأ. وإن هذا التقرير ناقص. وإن هذه الكلية تحتاج إلى تدخل. وإن هذا القرار يحتاج إلى مراجعة. وإن هذا العميد لديه مشكلة. وإن هذا الموظف يستحق أن يسمع.
أما البطانة التي لا تريد للمدير إلا الأخبار الجميلة فوظيفتها مختلفة.
تخفف الخبر السيئ. وتكبر الخبر الجيد. وتختار ما يصل وتحدد ما لا يصل. ثم تقول للمدير إن الأمور بخير.
وهكذا يتحول المقربون من معاونين إلى فلتر للمعلومة.
وفي لحظة ما لا تعود البطانة نافذة المدير على الجامعة. بل تصبح جدارا” بين المدير والجامعة.
دق الطبل ولا أحد يسأل عن الرقص
في بعض البيئات الإدارية يوجد من يتقن فن التطمين أكثر من إتقان فن الإدارة.
إذا نجح عمل صغير صار إنجازا” عظيما”. وإذا تعثر عمل كبير صار مجرد ظرف عابر. وإذا ظهر نقد جرى تأويله. وإذا ظهرت مشكلة قيل إنها تحت السيطرة. وإذا جاء تقرير لا يوافق الرواية وجد مكانه المفضل في الدرج.
وهكذا يدق البعض الطبل ويستمر المدير في الرقص على الإيقاع.
المشكلة ليست في الطبل. المشكلة أن المدير قد ينسى أن صوت الطبل ليس صوت الجامعة.
فالجامعة فيها أصوات أخرى. صوت الأستاذ. صوت الطالب. صوت الموظف. صوت العميد. صوت رئيس القسم. صوت المجلس. وصوت التقرير الذي لا يجامل أحدا”.
المجالس ليست ديكورا”
الجامعة ليست مديرا” واحدا” ولذلك لا ينبغي أن تتحول إلى رأي واحد.
المجالس الحاكمة والأكاديمية والإدارية ليست ديكورا” في الهيكل التنظيمي. إنها إحدى أهم أدوات الحوكمة والتوازن المؤسسي.
المجلس الحقيقي يسأل ويناقش ويختلف ويراجع ويحاسب ويقترح ثم يتابع ما اتخذ من قرارات.
أما المجلس الذي يستدعى فقط عندما تكون الأمور محسومة أو الذي تتحول جلساته إلى مجرد شاهد على قرارات اتخذت في مكان آخر فإنه يفقد وظيفته الأساسية.
فالجامعة التي تضعف مجالسها تقوي الفردية من حيث لا تشعر.
المدير الذي لا يريد أن يسمع
ليست المشكلة أن المدير لا يعرف كل شيء. فلا مدير يعرف كل شيء.
المشكلة عندما لا يريد أن يعرف.
المدير الناضج لا يخاف من التقرير السيئ. بل يخاف من غياب التقرير.
لا يخاف من العميد الذي يقول له إن هناك خللا”. بل يخاف من العميد الذي تعلم أن الصمت أكثر أمانا”.
ولا يخاف من الموظف الذي ينتقد إجراء. بل يخاف من الموظف الذي اكتشف أن لا أحد يسمع.
فالجامعة التي لا يسمع فيها المدير إلا ما يرضيه قد تكون هادئة جدا”.
لكن الهدوء ليس دائما علامة صحة. أحيانا” يكون الهدوء هو صمت المؤسسة الاحتجاجي.
الجلابية البلقاها مقاسو يلبسها
وهنا يأتي المثل السوداني الجميل ببلاغته البسيطة التي لا تحتاج إلى شرح طويل.
الجلابية البلقاها مقاسو يلبسها.
فالجلابية إذا جاءت على قدر المقاس لبسها صاحبها ومشى. لا شد فيها ولا جذب ولا أطراف زائدة تجرجر خلفه.
والمنصب كذلك.
هناك من يجد منصبا” على قدر مقاسه. وهناك من يحاول أن يجعل المؤسسة كلها على مقاسه.
وهنا يكمن الفرق.
المدير الذي يكون على قدر الجامعة يتسع لها.
يتسع لمجالسها. ويتسع لتقاريرها. ويتسع لزياراتها الميدانية. ويتسع لأسئلتها. ويتسع لنقدها. ويتسع للرأي المخالف. ويتسع للأخبار السيئة قبل الأخبار السارة.
يتسع للعميد الذي يختلف معه. ويتسع لرئيس القسم الذي يقول إن لدينا مشكلة. ويتسع للطالب الذي يقول إننا بحاجة إلى شيء آخر.
ويتسع قبل كل ذلك للحقيقة.
أما المدير الذي يريد جامعة على قدره فسيبدأ دون أن يشعر في تصغير المؤسسة حتى تدخل جلابيته.
يختصر الجامعة في مكتبه. ويختصر المعلومات في بطانته. ويختصر المتابعة في التطمينات. ويختصر التقارير في الأدراج. ويختصر المجالس في الإجراءات الصورية.
وهنا تصبح الجلابية مقاساً للمؤسسة لا مقاساً للمدير.
الجامعة لا تحتاج إلى طبالين
المدير لا يحتاج إلى من يدق له الطبل. يحتاج إلى من يقول له الحقيقة.
لا يحتاج إلى من يقول إن كل شيء ممتاز. يحتاج إلى من يقول إن هنا مشكلة.
لا يحتاج إلى من يخفي الخبر السيئ. يحتاج إلى من يأتيه به قبل أن يكبر.
لا يحتاج إلى بطانة تحيط به. يحتاج إلى مؤسسة تفتح له كل النوافذ.
فالمدير الذي تحيط به الأصوات التي توافقه دائما” قد يشعر بالقوة. لكن المدير الذي يسمح لمن حوله أن يختلفوا معه هو الذي يملك قوة المؤسسة الحقيقية.
السؤال الذي يبقى
هذه قصة افتراضية. مدير افتراضي. جامعة افتراضية. وبطانة افتراضية.
لكنها تترك سؤالا” حقيقيا”.
هل يمكن أن تدار جامعة بلا زيارة ميدانية وبلا تقارير منتظمة وبلا مناقشة للتقارير وبلا رد على أصحابها وبلا متابعة وبلا مجالس فاعلة ثم يعتمد في معرفة المؤسسة على البطانة والحيران والحواريين ورجال المدير؟
قد تستمر العجلة في الدوران. وقد يبدو كل شيء هادئا”. وقد تصل إلى المكتب أخبار جميلة.
لكن المؤسسة لا تقاس بما يصل إلى مكتب المدير.
المؤسسة تقاس بما يحدث عندما يغادر المدير مكتبه.
وهنا يعود السؤال إلى الجلابية.
هل هي على قدر الجامعة؟
أم أن الجامعة كلها أصبحت تحاول أن تدخل في جلابية المدير؟
فالجلابية البلقاها مقاسو يلبسها.
لكن مدير الجامعة لا ينبغي أن يبحث عن جامعة على مقاسه.
عليه أن يكون هو على قدر الجامعة.
وإذا كان للمدير أن يختار جلابيته فليختر جلابية واسعة.
تسع التقرير. وتسع المجلس. وتسع الميدان. وتسع النقد. وتسع الرأي الآخر. وتسع الحقيقة.
أما الجلابية التي لا تسع إلا البطانة فستظل على قدر صاحبها مهما بدا لها من اتساع.
فالجامعة أكبر من المكتب. وأكبر من البطانة والحيران والحواريين والرجال حول المدير. وأكبر من المدير نفسه.
والمنصب الذي لا يتسع للمؤسسة ليس على قدرها.
أما الجلابية البلقاها مقاسو يلبسها.


