الأخبار المحلية

الشاعرة َبرة محمد الأمين تمازح زوجها قنديل ود اب عقرب

خالد الجريف

برة محمد الأمين صديق دراش (برة بت الأمين) شاعرة مطبوعة تعاملت مع فن الشعر فى شتى ضروبه واغراضه.
فى قصيدتها التالية التى نظمتها من حيث الزمان فى عشرينيات القرن الماضي و المكان قرية كلى بمحافظة المتمة. فيها تمازح زوجها قنديل ود سليمان ود اب عقرب، معتذرة له عن الخروج على رأيه وطاعته،
أصل الحكاية كان هناك عزاء فى كبوشية بالضفة الشرقية للنيل فأردن هي و بعض نساء كلى المشاركة فى العزاء فأخبرت زوجها فأشار عليها أن لا يذهبن، لأن الوفاة فقد جلل و مصاب اليم موجع مضى عليها زمن طويل، و أن اهل المتوفى لن يستقبلوهن بترحاب و لن يقبلوا تأخرهن و عذرهن، و كما يقال فى امثالنا الشعبية ( البكا بعد الحول شمت ) و أفضل لهن أن يعتذرن لهم متى ما لقينهم بلطف و حصافة، فتركنه يذهب لزراعته بالساقية و ذهبن من بعده فى وفد كبير للعزاء (شوقار) وعند وصولهن لأهل المتوفى حدث لهن ما تنبأ به زوجها من استقبال فاتر و عدم اهتمام و احترام فمكثن عندهم و هن يتجرعن غصص هذه المقابلة الباهتة ويتضورن جوعا و يتحسرن على أنهن اتين سعيا على اقدامهن لمسافة طويلة و (عدن) بالمركب للضفة الشرقية فلم يجد ذلك تقديرا و توقيرا و استبان لهن أن رأى زوجها حاج قنديل و نصحه كان صوابا – ولات ساعة مندم – مضت اللحظات قاسية ثقيلة أليمة لا أنس و لا طعام يقدم من وقت الضحى حتى غربت الشمس و مضى الليل الا قليلا و هن فى غمرة هذا الحال الأسيف .

جاءهن الفرج من حيث لم يحتسبن إحدى الجارات (التومة) أتت لتتفقد حال جيرانها فى آخر الليل فوجدت (الكاليابيات) فى حالة يرثى لها بادية على اوجههن و بحسها الفطرى و سجيتها عرفت ما جرى لهن، فقامت بدعوتهن لمنزلها و قامت بواجب الضيافة على أكمل وجه مع البشاشة و البشر والهشاشة مما نفس عنهن ما لقينه من كربة و ترك أطيب الأثر فى أنفسهن و قضين عندها باقى تلك الليلة ثم عدن فى الصباح لاهلهن بالضفة الغربية، وكانت الشاعرة برة تحمل قصيدة اعتذار لزوجها (حلمنتشية) و هل ينسى الشاعر فى مثل تلك المواقف صنعته و أدواته؟ مصورة فيها ذلك المشهد فى اليوم العصيب العبوس و مالقينه فيه من عنت و تجاهل متعمد، مشددة على اختها النعمة التى كانت تلح عليهن فى الذهاب للعزاء و أن لا يأبهن برأي حاج قنديل و تحذيره و هي فى تقديرها السبب فى كل ما تعرضن له،
إلى القصيدة مع بعض الشرح:-

الهزن مقامن ما لقنلو قبول
ماشين البلد لى أهلنا شن بنقول
الليله يا الحاج صلنا قلعنا أيدينا عليك
جايبه لي خبارن تشمت و يرضيك
طال الليل علي نايماه نوم الديك
و شايلة لي قسم يا النعمة ما اباريك

فى لحظة عتاب و حساب للنفس ترى الشاعرة انه بالرغم ما هن فيه من عز و كرم الأصل و المقام لم يجد ذلك قبولا عند أهل المتوفى، مما جعلها مسهدة مساهرة نومها خزازا فى ذلك الليل الطويل مثل نوم الديك بين اليقظة و المنام لا يغمض لها جفن، وأي شيء يقلن لاهلهن عند عودتهن؟ و لعله جزاءا لتمردهن و صولتهن على رأى زوجها فأصابهن ما يدعوه للشماتة بهن و له العتبي حتى يرضى، و هى تقسم الا تسير فى رفقة اختها النعمة مرة أخرى لأي غرض. (الله يجازي الكان السبب).

اركانا الكبار اتقلعن قامن
بنات مكنا كبار فى عايلة ما انلامن
ان وقعن البحر عامن
منو القابلو ليهن ان قعدن إن قامن
لومكن علي من المغسة ما نامن

اى إنهن بنات حسب و نسب و أصالة متجذرة بالمجتمع و قامات من علية القوم لم يقصرن فى حق او واجب لأي أحد أو عائلة من قبل و مهما فعلن حتى لو سبحن نهر النيل (البحر) للضفة الشرقية الا يجد ذلك قبولا و رضا؟ و لا يقدر جلوسهن و قيامهن و سعيهن لأهل المتوفى للعزاء؟ وهن لهذه المعاملة الجافية و القاسية لم يذقن طعما للراحة و للنوم.

اركانا الكبار ماشات على الأقدام
بنات مكنا كبار فى عائلة ما بنلام
قايمين فى جبر خاطر سرية تمام
لا لقينا فيهو حسبة ولا لقينا إكرام
مع إنو البكا ما فيهو ميتا قام

هن خرجن فى وفد كالسرية من الجيش من حيث الهيبة و الوقار للتسلية و التعزية و التسرية عن أهل الفقيد و لكن لم يقدر لهن ذلك َو لم يعتبر بالرغم من أن المتوفى لن يعود للحياة مهما تعاظم العزاء فيه لأهله.

خلينا العوين ساكت بلا حصان
من القوز لى البحر تتناهم النسوان
ارطة (تسعة جى) المرقت من الحيشان
من عين الحسود يابا الشيخ سلمان

اهملنا و تركنا أطفالنا الصغار من غير انسان يرعاهم (يكون فى راسن) و كن يتداعين للعزاء من اللاتى سكن قرب النيل (البحر) و من هن بالقرية (القوز) و هن يمثلن ارطة (تسعة جى ) ولعلها التى تمردت على الجيش الإنجليزي فى ثورة 1924م من ثوار اللواء الأبيض اي إنهن تمردن على ازواجهن كما تمرد جيش الثوار على الحكومة الإستعمارية و قد تزامن الحدث مع تمرد الارطة المشار اليها. و هى تلوذ و تستجير بحمى و صلاح و بركات الشيخ سلمان ود العوضية فى الجوير غرب شندى من كل عاين و حاسد راصد.

شايله لي في يمين حلفا و لا يلزم
من القوز للبحر انا و النعمة ما نتلم
طال الليل علي و الجوع أشد الهم
شوفة العين تجينا التومة تتشلهم

هى تعود مشددة و معاتبة لاختها النعمة بقسم يمين وحلف مغلظ و لكن لا يلزمها تنفيذه بأن لا تلمها بها الطرق حتى داخل القرية(من القوز-الحلة- للأراضى الزراعية) فهى لا تنسى ذلك الليل الطويل المكفهر و نهش الجوع لأحشائهن الذى محته التومة عند مجيئها فى ساعات الصباح الأولى بعد ادبار الليل باكرامها و ضيافتها لهن فى منزلها بترحاب و بشاشة و فرح و مرح (وفنجرتها و شلهمتها).

من أرشيف ذكرياتي
آخر لحظة – السبت 24/11/2012م

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى