الأخبار المحلية

العينُ على الأثر لا على العرش: ماذا كسبت المؤسسة* ؟

بروفيسور بله احمد بلال

​أربع سنوات ليست زمنا: هامشيا”، بل هي دورة متكاملة للعمل والبناء، تمنح القيادات هامشا” كافيا” لترك بصمة، وتمنع تحول المسؤولية إلى امتداد غير محدود. غير أن الجوهر يبدأ حيث تنتهي هذه المدة وتبرز الحاجة إلى تمييز دقيق بين التجديد المبرر والتغيير المحتوم.
​لا يكون التجديد استحقاقا” إلا حين يكون امتدادا: لمشروع استراتيجي قيد الإنجاز أو مبادرة وطنية في طور الترسيخ، يحتاج استمرارها إلى من أطلقها ليقطف ثمارها ويعزز أثرها. فالدولة الرشيدة لا تهدم صرحا” ناجحا” لمجرد انتهاء دورة إدارية، بل تقيم وزنا” لما تحقق وتقدر قيمة الاستمرارية في سياقها الموضوعي. على أن التمديد، متى افتقد إلى سند من مؤشرات أداء قابلة للقياس أو رؤية واضحة للمرحلة القادمة، يتحول من أداة استقرار إلى استثناء يحتاج إلى مراجعة. وهنا يكمن مدار الحكمة: أن يكون التجديد استثناءً مدعوما” بمبرراته، وأن يكون التغيير قرارا” مؤسسيا: خاضعا” لمعايير، وتبقى المصلحة العامة هي المرجع الأسمى، لا الولاءات الفرعية أو الاعتبارات الجهوية أو غيرها من المعايير غير الموضوعية.
​عند منعطف الدورة، يصبح التقييم المهني الموضوعي هو المدخل الأعدل للقرار. والأسئلة الحاكمة ينبغي أن تتعلق بالجوهر لا بالشخص:
* أيّ إرث تركه المسؤول؟
* كيف تبدلت أحوال المؤسسة في عهده؟
* هل تحولت المشاريع من أوراق إلى واقع؟
* وإذا كان ثمة تعثر، فما أسبابه؟
* هل بنى نظاما” مؤسسيا” قادرا” على الاستمرار بغيابه؟
* هل هيّأ كوادر الصف الثاني وأعدها للقيادة؟
* هل راعى المال العام وحسّن الحوكمة وأرسى قيم الشفافية؟
* هل وسّع دائرة المؤسسة لاستقطاب الكفاءات، أم أضيقها في فضاء ضيق؟ والأهم:
* هل المرحلة المقبلة بحاجة إلى امتداد التجربة ذاتها، أم إلى رؤية تجدد بها الدينامية؟
​بهذه الأسئلة ننتقل من منطق التداول الشخصي إلى منطق التداول المؤسسي. فالأفراد راحلون، أما المؤسسات فمصيرها البقاء، والمشروعات الوطنية الكبرى ليست رهينة للتقلبات الإدارية. وليس كل من غادر فاشلا” ولا كل من جُدد حائزا” امتيازا”. فربما يكون الأول قد استوفى أجله وجاء دوره ليقود آخرون مسارا” مختلفا” وربما يكون الثاني قدّم إضافة تستوجب الإكمال.
​وتكمن الخطورة حين يصبح عدم التجديد وسيلة لتسوية حسابات، أو معاقبة اختلاف مهني، أو إقصاء كفاءات لمجرد انتماءات ضيقة. فحينها يتحول التغيير إلى إبعاد، وتخسر المؤسسة أكثر مما تخسره الأفراد. وثقافة تجعل الاستمرار مرهونا” بالولاء الشخصي، والتجديد خاضعا” للمحاصصة، هي ثقافة تستنزف ثقة المواطن في عدالة الدولة وتضعف أسسها. لذا، تحتاج الدولة الحديثة إلى قيادات تتسم بالجرأة الفكرية، والكفاءة التنفيذية، والقدرة على تحمل المسؤولية، لا إلى نماذج متطابقة في الطرح يضيق بها الأفق الإداري. وإن الاختلاف المهني المحترم ليس انشقاقا” عن الجسد الوطني، بل هو نبض الإصلاح ووسيلة التطوير، شريطة أن يظل في إطار المصلحة العامة.
​من هنا، تبرز ضرورة إرساء آلية واضحة تقوم على ثلاثة أركان:
1/وضوح المشروع، 2/موضوعية الأداء، 3/مصلحة المؤسسة.
فإن اجتمعت كانت المبررات قوية، وإن تغيبت كان التغيير هو العين الصائبة. أما التمديد لمجرد الامتداد، أو التغيير لمجرد التغيير، فكلاهما ممارسة تضر بالمنظومة قبل أن تفيدها.
​وقطاع التعليم العالي والبحث العلمي خير مثال على ضرورة هذا التوازن، فهو بحاجة إلى استقرار يرسخ المشاريع الكبرى، كما هو بحاجة إلى تجديد يضخ دماءً جديدة وأفكارا” مبتكرة. ولا يمكن لمؤسسة أكاديمية أن تبني مستقبلا” بعقل إداري منغلق، ولا أن تكرر المحاولات كل أربع سنوات دون أن تتساءل عن أسباب عدم الاكتمال.
​والمطلوب، إذا”، هو توازن دقيق: استمرارية عندما تكون ذات قيمة مضافة حقيقية، وانتقال عندما تكون الحاجة إلى التجديد أكثر إلحاحا”. وأن تكون القرارات محكومة بمنطق المؤسسة لا بأهواء الأشخاص، فتتحول السنوات الأربع إلى أداة حوكمة فعالة: عمل، ثم تقييم، ثم حكم — تجديد يقوم على إنجاز وحاجة، أو انتقال يفسح المجال لرؤى جديدة. وفي كل الأحوال، تبقى كرامة المسؤول مصانة. فالراحل بعد أربع سنوات من العمل المخلص ليس بخاسر، والمجدد لما حققه من نتائج ملموسة ليس بمستفيد شخصي، بل كلاهما يؤدي دورا” في دورة الحياة المؤسسية. والمعنى الأعمق للمسؤولية العامة هو أن نضع الأشخاص في خدمة المؤسسة، لا المؤسسة في خدمة الأشخاص.
فنوقر الخبرة دون أن نقدس البقاء، ونفتح الأبواب للشباب دون أن نبدد التراكمات، ونواصل المشروعات الناجحة دون أن نغلق الطريق أمام التجديد المبدع.
​إن الدولة ليست في حاجة ماسة إلى قاعدة جديدة، بقدر ما هي بحاجة إلى إعادة قراءة القائمة بروح من العدالة والوضوح والانضباط.
أن يكون التجديد استثناء” مبررا” لا عرفا” مبهما”
وأن يكون التغيير قرارا” مؤسسيا” لا أداة إقصاء،
وأن تكون الكفاءة هي المعيار الفعلي لا مجرد الشعار،
وأن يكون الانتماء الحقيقي للوطن والمؤسسة.
وعندما تصبح المصلحة العامة هي المحور في قرارات التجديد والتغيير، تتحول الأعوام الأربعة إلى دورة متكاملة من العمل المتقن، والتقييم الشفاف، والإنجاز الملموس، والتجديد الحقيقي. وحينها، لا يعود السؤال هو “مَن بقي ومَن رحل؟”
بل السؤال الأعمق: “ماذا كسبت المؤسسة؟”.
وبذلك ننتقل من إدارة الأشخاص إلى إدارة المؤسسات، ومن إدارة المواقع إلى إدارة الرسالة، ومن منطق البقاء والرحيل إلى منطق الإنجاز والاستدامة. وعندئذٍ، يصبح التغيير حكمة، والتجديد مسؤولية، وتكون الأربع سنوات محطة تقييم حقيقية لا مجرد نهاية تلقائية.
البروفيسور. بله احمد بلال
جامعة السودان المفتوحة

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى