الى روحها الطاهرة بمناسبة مرور نصف قرن على وفاتها فى ضيافة رؤيا

🖋 بقلم خالد الجريف
ﻻت حين مناص لمن نزلت بساحته المنايا فلا بر يقيه و ﻻ سماء وﻻ شفاعة لاحد فى الموت فإنه الأجل المحتوم إذا جاء ﻻ يؤخر ، وبالرغم مما بذله الطبيب المداوى من جهد واجتهاد كان الداء العضال الذى اصاب الوالدة فاتكا لم يستجب للعلاج ولكن ﻻ يأس مع الحياة و ﻻ قنوط من رحمة المولى والزمن يمضى منسربا خلال اﻻيام والشهور ونحن نغالب شؤون العلاج و العيش و هو أمر يحتاج لأولي العزم من أهل الصبر و لكن ﻻبأس من محاولة التشبه بهم ونحن فى هذه المدافعة
إستقر رأينا كأسرة أن نذهب بالوالدة حيث تمكث بالقرية عسى أن يأتي الفرج من حيث ﻻ نحتسب بعد ان ضنت علينا الخرطوم بالشفاء على ما وجدنا فيها من سعة فى قلوب الأهل وديارهم ومساندتهم و حينها كنا بلا منزل يلم ويضم شتات هذه المعاناة.
عدنا ﻻعمالنا بالعاصمة و كنا نعاود زيارتها حينا بعد حين و هى تضخ وصاياها فى أسماعنا و عقولنا وقلوبنا كترياق مضاد للإحباط حاثة لنا على الصبر واﻻستقامة والتماسك وكنا بعين اليقين ننظر ان الفراق بات وشيكا وهو آت ﻻ محالة بل كاد وإن لم يفعل.
عدت من آخر زيارة لها وانا كسيف البال اسيف الحال كيف ﻻ وجسدها النحيل يضمحل يوما أثر آخر حتى اوشك على التلاشي ، و واصلت عملى،
في عطلة نهاية اﻻسبوع فى ليلة الجمعة بعد أن آويت الى فراشي تداعت خواطرى تترى يقود بعضها بعضا فهاجمنى النوم فأسلمت له جسدي المرهق فانفتح باب الرؤيا مرحبا بي وأهداني ما كنت أبحث عنه من طمانينة النفس وسكينة الروح و هما المعدوم فى سوق الخرطوم فوجدت راحتي و ما كنت ابحث عنه، يا لله الكريم المنان ها هي الوالدة بمنزلنا بالبلد سالمة وممتلئة صحة وعافية و بعد أن قابلتني بالعناق والأشواق و الأحضان جلست قربها و رحنا فى أُنس وسمر و فرح بهيج مسرورين حتى أطل الفجر وتنفس الصبح ونادى المؤذن أن حي على الفلاح نهضت مستيقظا مبتدأ يومى بالصلاة وبعد مشرق الشمس تجمعت خواطري و استعرضت ما رأيت فى ليلتى تلك فتأملت الرؤيا مليا وعلى ما فيها من ترويح و تسلية تأبت نفسى قبولها، ثم خرجت من منزل ( العزابة ) لبعض شانى وفى الطريق مررت بدكان يبث الراديو فيه أغنية ( شايقية ) موضوعها اﻻم سرحت مع كلماتها و لحنها الذى ملأ وجداني و أشعل خاطري المضطرب ففاضت الشجون.
بذكرك يايمة والناس يجونا من البلد
قايمة الصباح متكفلتى شايلة الحليلى على المراح …..الخ و مع كلمات الأغنية الرائعة ، كانت تقف بالدكان امرأة مسنة لغرضها قالت معلقة و هى منساقة مع كلمات الأغنية فى سجية فطرية وكأنها تخاطب الفنان * يا ولدى الأم مايها الرب الصغير * فأضافت ألى الأغنية تعليق جميل * وأضافت الحبوبة * نوعا من * التراجيديا * لحالتي وعدت للمنزل منهزم المشاعر و مرتعش الخواطر .
فى اليوم التالي ذهبت لعملي الذى كنت فيه منعزﻻ عن زملائي و منقبض النفس إذ أن روحي كانت تهيم غادية و رايحة تجوس خلال ديارنا بالقرية ، وفى اليوم الذى يليه تلقيت محادثة تلفونية بأن الوالدة فى حالة احتضار وفى الصباح التالى غادر أخي الأكبر عثمان ولحقت به منتصف النهار ، حظي أخي بحضور صعود روحها الطاهرة لبارئها عصر نفس اليوم أما انا وبعد أن جن علي الليل وشكل نهر النيل مانعا وحاجزا بينى والوصول فقد عبرت النهر بين كبوشية و كلى فى الصباح الباكر الذي يليه ، وأنا بالمركب رأيت أخي الذى فارقته بالأمس يستعد للعبور للبر الشرقى لم يخامرني شك أن فى اﻻمر شيء ففاضت دموعي منسكبة على نهر النيل وعند لقائنا أخبرني ما كنت أحذره أنه قبل مغرب شمس البارحة اﻻثنين 26/1/1976م قد وسدت الوالدة نفيسة محمد الحسن محمد اﻻمين ثرى مقابر قريتنا الحبيبة كلي وأنه ذاهب لإحضار أختنا عائشة من داخلية المدرسة بالضفة الشرقية ومع أن الموت حق وهو سنة الله الغالبة والماضية فى خلقه أخذت تتساقط علي الكلمات كأني ما زلت فى ضيافة رؤيا ودنيا الأحلام و الكرى مواصلا منامي و رسمت اﻻغنية إطارا وخلفية للموقف الحزين .
بتذكرك يا يمة يانبع المحنة الفيك يفيض
صالاكي نار الدوكي عوستيلنا الفطير
رسلي لي عفوك ينجينى من جور الزمان
حتى آخر كلمات الأغنية الباقية فى وجداني ما بقي فى حياتي عمر ، لكِ المغفرة و الرحمة والرضوان وعالي الجنان يا أمي، بذكرك❤️❤️❤️


