بنك السودان المركزي ووزارة المالية الاتحادية والإهمال المتعمد للمنتجين ومحصول الصمغ السوداني

بقلم: الزين كندوة
منذ فترة ليست بالقصيرة، ظل سؤال محوري يدور في عقلي دون أن أجد له إجابة شافية تشفي غليلي وتدمل جرحي وتكفكف دمعي. وحينها تعتريني غُصة في الحلق فأتركه متناسياً على استحياء، لكنه لا يتركني أبداً ويظل يلاحقني. وهذا السؤال يقول: لماذا يظل مزارع الريف فقيراً إلى هذا الحد البعيد، رغم أنه منتج لأهم محاصيل الصادر المغذية لخزينة الدولة؟
لقد خطر هذا السؤال ببالي من واقع معاش، حين عاصرت الأجداد والآباء وهم ينتجون السمسم بأنواعه، وحب البطيخ، والكركدي بأنواعه، والفول السوداني، والسنمكة، وكل أنواع وأصناف الذرة، والصمغ العربي هذا المحصول الاستراتيجي اقتصادياً وسياسياً، إضافة إلى إنتاجهم لكل أنواع الثروة الحيوانية، فضلاً عن أراضينا الواسعة الخصبة الجاهزة للاستزراع، وأنهارنا الجارية طوال العام.
إن بروز هذا السؤال الملح يؤكد فشل مؤسسات الدولة السودانية في إدارة الموارد تاريخياً، مع استمرار إهمال تعظيم المنتجات الزراعية، وربما يكون هذا الإهمال مدروساً. فإهمال المنتج نفسه في مناطق الإنتاج يبقيه فقيراً وتحت رحمة الآخرين حتى مماته، ثم يورث الفقر لأبنائه في مصادر الإنتاج، وهكذا تستمر المعادلة الصفرية، حتى لا يكون للمنتج رأي ولا يستطيع توفير الخدمات الضرورية لنفسه. ومن المعلوم بالضرورة أن الغرض من هذه السياسة هو أن يظل المنتج هو أضعف حلقة في العملية الإنتاجية.
عموماً، لقد كشفت حرب( 15 أبريل 2023) القناع عن كثير من المظالم، والسياسات السابقة يستحيل أن تعود. ويجب أن نشترك جميعاً في تأسيس الدولة السودانية على أساس العدل والمساواة وحقوق الإنسان، وحقوق المنتجين أولاً. وإن هذه القيمة تبدأ بإنصاف المنتجين، ولعلنا الآن أحوج ما نكون لإنصافهم في قراهم ومناطق إنتاجهم. وعلى وزارة المالية الاتحادية وبنك السودان المركزي أن يتخليا عن الإهمال المتعمد للمنتجين بالريف، وأن يضعا سياسات اقتصادية تؤسس لمفهوم حماية المنتج في هذا التوقيت بالتحديد، لتحسين الوضع الاقتصادي للمنتج والدولة في آن واحد، ولحل الضائقة الاقتصادية التي نعيشها الآن، وذلك بتنفيذ الخطوات الآتية:
أولاً: على بنك السودان المركزي ووزارة المالية الاتحادية توجيه البنوك لتكوين محفظة في أسرع وقت ممكن لشراء المحاصيل الزراعية بالولايات لصالح بنك السودان وإدخالها إلى مخازنه فوراً، مع إعلان أسعار تركيز مجزية لكل المحاصيل، على أن يتولى بنك السودان تصديرها، فالشركات العالمية مجبرة على الشراء رغم الظروف السياسية وظروف الحظر.
ثانياً: على وزارة المالية الاتحادية وبنك السودان المركزي طرح إعلان دولي عن الرغبة الأكيدة في استقطاب شركات دولية تعمل في مجال شراء الصمغ العربي بالسعر العالمي، مع توفير مصانع بمناطق الإنتاج. ويكون من ضمن الشروط أن تقدم أي شركة لديها الرغبة في شراء الصمغ السوداني رؤيتها في المسؤولية المجتمعية بمناطق الإنتاج، أو أي صيغة يتفق عليها الاقتصاديون بالدولة لتحسين الوضع الاقتصادي ورفع قيمة الجنيه السوداني وحمايته من التدهور المستمر.
ثالثاً: تمويل اتحادات منتجي الصمغ العربي على مستوى ولايات الإنتاج الآمنة لشراء الصمغ من جمعيات المنتجين بسعر التركيز العالمي، وإيقاف تمدد السماسرة وامتصاصهم لعرق المنتجين، ومحاربة التهريب المستمر.
هذه مقترحات موجهة لوزارة المالية وبنك السودان المركزي، ونذكرهم بأن سياساتهم الحالية غير منحازة للمنتجين، بل إن هذه المنهجية المتبعة تؤكد أنهم يتركون المنتجين صيداً سهلاً لسماسرة السوق الذين يتغذون على عرق أهل الريف البسطاء.
ونحن ندرك أن للصمغ السوداني مافيا وعصابات محلية وإقليمية ودولية، وهذه المقترحات لن ترضيهم أبداً لأنها ضد مصالحهم ومنافعهم الشخصية، بينما هي منصفة للمنتجين والدولة في إطارها القومي. ومن المؤكد أن أول من ستحاربه هذه العصابات هي مؤسسات الدولة نفسها، إذا وضعت سياسات منحازة للمنتج ابتداءً، وإلا فإن الكل سيكون متهماً بأنه غير حريص على نهضة الشعب السوداني الذي يعتمد في الأساس على الزراعة بشقيها النباتي والحيواني فضلاً عن المنتجات الغابية.
وضعنا الاقتصادي الآن مزري للغاية والموسم الزراعي يواجه مهددات كبيرة، والحل الوحيد يكمن في ابتداع سياسات اقتصادية قائمة على إعلان سعر تركيز عالمي لمحصول الصمغ العربي، على أن يتولى بيعه دولياً وعقد الصفقات حوله بنك السودان المركزي، ليكون الصمغ العربي شأنه شأن الذهب، ليضمن البنك ضخ الدولار في خزينته. وإذا لم يكن ذلك، فإن قول السيد الفريق أول ركن ياسر العطا فيما يتعلق بـ “جنجويد المؤسسات” سيكون حاضراً.
ودمتم بخير وعافية


