
في زمن الحروب المفتوحة والاصطفافات الحادة، تصبح الكلمة سلاحاً لا يقل خطورة عن الرصاصة. لكن بين صخب الروايات المتضاربة، يظل السؤال الأهم: هل ما نكتبه يعكس الحقيقة، أم يعبر فقط عن حجم الغضب الذي يسكننا؟
ما يُتداول اليوم عن دور الإمارات العربية المتحدة في عدد من الساحات العربية، وعلى رأسها السودان، ليس جديداً في جوهره. الاتهامات، التحليلات، والقراءات السياسية ظلت حاضرة لسنوات، تتراوح بين من يراها تدخلاً مباشراً في صراعات المنطقة، ومن يضعها في إطار المصالح والتحالفات الدولية المعقدة.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في “من على حق”، بل في “كيف نعرض الحقائق”.
النصوص التي تُبنى على لغة حادة ومطلقة—تتحدث عن “نهايات حتمية” و”انهيارات كاملة”—قد تلامس مشاعر الناس، لكنها غالباً ما تبتعد عن التوازن المطلوب لفهم مشهد شديد التعقيد. فالحروب، سواء في اليمن أو ليبيا أو داخل السودان نفسه، لا تختزل في طرف واحد ولا في رواية واحدة.
نعم، هناك تقارير دولية تتحدث عن أدوار إقليمية متشابكة، ونعم، هناك معاناة حقيقية لشعوب دفعت أثماناً باهظة—خصوصاً الشعب السوداني الذي يواجه واحدة من أعقد أزماته الإنسانية والسياسية. لكن تحويل هذه المعاناة إلى خطاب يقيني مغلق قد يُفقدها قوتها الأخلاقية، بدلاً من أن يعززها.
أما ما يُقال عن “وهم المدن الآمنة” مثل دبي، فهو أيضاً جزء من سردية أكبر تتأثر باللحظة السياسية والإعلامية. المدن لا تنهار بين ليلة وضحاها، كما أنها لا تبقى بمنأى عن تداعيات الإقليم. الحقيقة دائماً في المساحة الرمادية، لا في الأبيض والأسود.
المؤكد أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة تشكيل عميقة، وأن التحالفات التي بدت صلبة في الأمس، قد تتعرض لاختبارات قاسية اليوم. لكن الأهم من ذلك كله، أن الشعوب—لا الحكومات—هي التي تتحمل الكلفة الأكبر دائماً.
وفي حالتنا السودانية، تبقى الأولوية ليست في إثبات من أخطأ فقط، بل في كيف نُنقذ ما يمكن إنقاذه، وكيف نعيد بناء وطن أنهكته الحرب والانقسامات والتجاذبات الخارجية.
الكلمة المسؤولة لا تُخفي الألم، لكنها أيضاً لا تُضخّمه بلا دليل.
والتحليل الجاد لا ينحاز للغضب، بل ينحاز للحقيقة—even حين تكون مؤلمة.
في النهاية، قد تختلف القراءات، لكن ما لا ينبغي أن يختلف عليه اثنان هو أن دماء الأبرياء في السودان، وفي كل بقعة عربية، أكبر من أن تُستخدم فقط كوقود للخطاب… وأقدس من أن تُختزل في رواية واحدة.



