
لم يعد الجوال مجرد وسيلة اتصال عابرة بل أصبح واقعًا يوميًّا يلازمنا في تفاصيل حياتنا نستيقظ على صوته ونغفو على ضوء شاشته ونسير به في الطرقات كأنما نحمل عالمًا كاملًا بين أيدينا. جهاز صغير الحجم، واسع الأثر، أعاد تشكيل عاداتنا وبدّل أنماط تواصلنا وغيّر ملامح الأسرة والمجتمع.
هو هاتف ذكي متعدد الوظائف، يجمع الاتصال بالصوت والصورة، ويفتح أبواب الإنترنت، ويمكّن من إدارة الأعمال وإنجاز المعاملات وتخزين الذكريات ومتابعة الأخبار وطلب المعرفة. لقد جمع في داخله ما كان موزعًا بين أجهزة كثيرة فاختصر المسافات وسرّع الإنجاز ووضع المعلومة في متناول الجميع.
بفضله تقاربت القلوب عبر المسافات وتيسرت شؤون الناس وتطورت بيئات العمل واتسعت فرص التعلم الذاتي. أصبح مكتبًا متنقلًا ومكتبة رقمية ومنبرًا للتعبير، وأداة للتخطيط والتنظيم. منح الإنسان قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المعرفة والتواصل مع العالم في لحظات.
غير أن هذه القوة لا تخلو من تبعات. فقد تسلل الاستخدام المفرط إلى البيوت فأضعف دفء المجالس وانشغل كل فرد بشاشته عن حديثٍ ينتظر الإصغاء.
في بعض الأسر صار الصمت عنوان الجلسات لا لغياب والحضور، بل لهيمنة الأجهزة. ونشأت خلافات زوجية بسبب انشغال أو إساءة استعمال أو غياب للثقة. كما تحول عند بعض الطلاب إلى مصدر تشتت، يبدد الساعات ويضعف التركيز، حتى غلب التصفح على التحصيل.
وصحيًا أرهق العيون وأثقل الرقاب وأربك ساعات النوم وأضعف الحركة. وثقافيًا قد يؤثر في القيم واللغة والسلوك إذا غاب التوجيه وحضر التقليد. المشكلة ليست في الجوال ذاته بل في الإفراط وسوء الإدارة، فالأداة محايدة، والإنسان هو من يمنحها وجهتها.
وهنا تبرز مسؤولية الآباء والأساتذة والأسرة والمجتمع. فالأب ليس رقيبًا فحسب، بل قدوة، حين يضبط استخدامه أمام أبنائه قبل أن يطالبهم بالانضباط. والأم حارسة التوازن داخل البيت، تنظم الأوقات وتحيي الحوار وتعيد للمجالس روحها. والأستاذ موجّه ومربٍ، يغرس ثقافة الاستخدام الرشيد، ويحوّل التقنية إلى وسيلة تعلم لا أداة شرود. أما المجتمع بمؤسساته ومنابره، فدوره أن ينشر الوعي، ويعزز المبادرات التي تدعم التربية الرقمية، وتُرسخ القيم في مواجهة الانجراف.
إن النجاة لا تكون بالمقاطعة بل بالاعتدال. أن نضع حدودًا زمنية واضحة وأن نغلق الأجهزة في أوقات الأسرة والعبادة والراحة وأن نملأها بما ينفع ونحذف ما يستهلك العمر بلا عائد. أن نُذكّر أنفسنا دائمًا بأن التقنية خادم مطيع إن أحسنا قيادته وسيد قاسٍي إن تركنا له زمامنا.
سيبقى الجوال جزءًا من حاضرنا ومستقبلنا لكن الخيار بأيدينا: إما أن يكون جسرًا نعبر به إلى العلم والعمل والتواصل أو جدارًا يعزلنا عن أقرب الناس إلينا. وبين الجسر والجدار تتحدد مسؤوليتنا ويتشكل مصير أجيالنا.



