الأخبار المحلية

حين يصبح المدير جزءا” من المشكلة

بروفيسور بله احمد بلال

الحقيقة التي قد لا يرغب بعض مديري المؤسسات في سماعها هي أن المدير قد يكون أحيانا” جزءا” من المشكلة وليس العاملين وحدهم. فالإدارة ليست مجرد منصب أو سلطة أو صلاحيات. إنها مسؤولية تقوم على العدل والإنصاف وحسن التعامل والقدرة على جمع الناس على قلب رجل حول هدف واحد.
ومن باب النصيحة الصادقة أن يراجع المدير نفسه قبل أن يراجع الآخرين. فقد قيل نصف رأيك عند أخيك. وفي الشورى سعة للرأي وتصحيح للمسار وحماية للقرار من ضيق النظرة الفردية. وما خاب من استشار. وما ضعفت مؤسسة إلا حين أصبح القرار أسير رؤية واحدة لا تسمع إلا صوتها.
والقرار الفردي المتكرر من قبل المدير قد يكون جزءا” من المشكلة عندما يغيب الحوار المؤسسي وتتعطل قنوات المشاركة. فالمدير مهما بلغت خبرته لا يستطيع أن يرى الصورة كاملة بمفرده. وتعدد الآراء لا يعني ضعف القيادة. بل يمنح القرار عمقا” ويعزز فرص نجاحه ويجعل العاملين أكثر استعدادا” لتحمل مسؤوليته وتنفيذه.
كما أن غياب نظم الحوكمة الواضحة يفتح الباب أمام كثير من المشكلات. فالعمل المؤسسي لا يستقيم بالاجتهاد الشخصي وحده. وإنما يحتاج إلى نظم ولوائح تضبط الصلاحيات والمسؤوليات وآليات اتخاذ القرار والمساءلة والتقييم. وعندما تغيب نظم الحوكمة يصبح المدير معرضا” لأن يتحول من جزء من الحل إلى جزء من المشكلة دون أن يشعر.
المدير الذي لا يقف على مسافة واحدة من جميع العاملين قد يضعف روح الفريق دون أن يقصد. وعندما تميل الإدارة إلى تفضيل فئة على أخرى أو تعتمد أسلوب فرق تسد فإنها قد تحقق هدوءا” مؤقتا” لكنها تخسر على المدى البعيد الثقة وروح المبادرة والانتماء.
*الاحترام لا تصنعه السلطة* وإنما تكتسبه المواقف. والمنصب يمنح صاحبه صلاحية الإدارة لكنه لا يمنحه تلقائيا” القبول والتأثير. فالقيادة الحقيقية تظهر عندما يشعر العاملون بأنهم شركاء في النجاح وأن جهودهم محل احترام وتقدير وأن الجميع يخضعون لمعيار واحد.
*غيّر أسلوبك قبل أن تخسر فريقك.* فالقائد الواعي لا يكتفي بإصدار التعليمات وإنما يستمع ويدعم ويشجع ويحاسب بعدل ويمنح العاملين مساحة للتعبير والمبادرة. وكلما اتسعت مساحة الثقة اتسعت معها مساحة العطاء.
*القيادة تكتسب ولا تفرض* . ومن أراد نتائج أفضل فعليه أن يكسب القلوب قبل أن يطلب النتائج. فالعامل يزهر مع القائد المؤثر لأنه يجد أمامه بيئة تحفزه على الإبداع وتمنحه الشعور بالتقدير والإنصاف. بينما تضعف الطاقات في البيئة التي يسودها الظلم او الخوف أو التحيز أو الشعور بعدم التقدير.
ليس المطلوب من المدير أن يتنازل عن هيبة المنصب أو الحزم في اتخاذ القرار. بل المطلوب أن يدرك أن الهيبة الحقيقية لا تقوم على الخوف وإنما على العدل. وأن الحزم يمكن أن يجتمع مع الاحترام. وأن المحاسبة يمكن أن تتم دون تجريح. *وأن قوة القرار لا تعني إقصاء الآخرين.*
وعندما يلاحظ المدير تراجع المبادرات أو ضعف الحماس أو كثرة الشكاوى أو ظهور الانقسامات بين العاملين داخل المؤسسة فمن الحكمة أن يبدأ بالمراجعة قبل إصدار الأحكام. فقد تكون المشكلة في الأداء وقد تكون في البيئة الإدارية وقد يكون الأسلوب القيادي نفسه بحاجة إلى مراجعة.
المدير الناجح لا يبحث دائما” عن شخص يحمل مسؤولية المشكلة. بل يبحث أولا” عن أسبابها ويعمل على معالجتها بروح مهنية هادئة. ويؤمن أن الشورى قوة لا انتقاص. وأن الحوكمة حماية لا قيد. وأن المشاركة في القرار لا تنتقص من هيبة المدير بل تزيد القرار نضجا” والنتائج نجاحا”.
فالمدير الناجح هو من جمع بين قوة القرار ورجاحة الرأي. وبين هيبة المنصب ونبل السلوك. وبين الحزم والرحمة. وبين الإدارة والقيادة. جعل العدل ميزانه. والشورى منهجه. والحوكمة سنده. والإنسان غايته. فملك القلوب قبل الكراسي. وصان الفريق قبل أن يطلب منه العطاء. وبنى الثقة قبل أن يطلب النتائج. فترك أثرا” لا يخيف الناس بعده. بل يجعلهم يذكرونه بالخير كلما ذُكر النجاح.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى