
* لا شك أن الأحداث الكبرى هي التي تبرز الرجال، وتكشف معادن القادة، وتضعهم أمام إختبارات حقيقية تتجلى فيها قوة العقل، وشجاعة القلب، وحسن المبادرة، والحزم في إتخاذ القرار والحسم في مواجهة التحديات، فالمواقف الوطنية الصادقة لا تحتاج إلى كثير من الكلام، بل تفرض نفسها بما تحققه من نتائج، وتتركه من آثار، وتكشفه من معادن الرجال بين مخلص متجرد، ومبادر شجاع، وصاحب موقف لا يتزحزح أمام الصعاب.
* ومن هذه المقدمة، أود أن أقول للسادة القراء إن تاريخ السودان، وحاضره، ومستقبله، حافل بالمواقف التي سُطّرت بمداد من ذهب، وصنعتها عقول قيادات وطنية امتلكت القوة والسماحة والحنكة، وتحملت المسؤولية في ظروف بالغة التعقيد. فمن هؤلاء من أنصفه الإعلام وأبرز أدواره، ومنهم من عرّفته المواقف السياسية، ومنهم من تحدثت عنه أفعاله ومواقفه الوطنية، فترك بصمات واضحة، ولا يزال أثرها حاضرًا في الذاكرة الوطنية.
* وفي هذا السياق، أجدني أمام ثلاثة من الرجال الذين أرى أنهم يستحقون الوقوف عند تجاربهم ومواقفهم، وهم: الفريق أول ركن ياسر العطا، رئيس هيئة الأركان، والفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، المدير العام لجهاز المخابرات العامة، وسعادة المستشار الأستاذ علاء الدين.
* ثلاثة رجال، لكل واحد منهم موقعه ومسؤولياته وطبيعة المهام التي يضطلع بها، لكن ما يجمع بينهم، في تقديري، هو ثقل المسؤولية الوطنية، والعمل في ملفات شديدة الحساسية، والحاجة إلى المبادرة واليقظة وحسن التقدير، في مرحلة يواجه فيها السودان تحديات أمنية وعسكرية وسياسية ودبلوماسية بالغة التعقيد.
* لقد أظهرت الأحداث أن خدمة الوطن لا تقتصر على موقع أو منصب، وإنما تتجلى في القدرة على تحمل المسؤولية، والعمل تحت الضغط، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، والتحلي بالصبر والثبات حين تشتد الأزمات، ومن هنا تأتي أهمية قراءة مواقف القيادات الوطنية وتقييمها على ضوء ما تقدمه من عمل، وما تحققه من نتائج، وما تتركه من أثر في مسيرة الدولة.
* إنني أكتب اليوم من زاوية تقدير الدور الوطني، والإيمان بأن الرجال تُعرف في أوقات الشدة، وأن المسؤولية الحقيقية ليست لقباً يُحمل، بل أمانة تُؤدّى، ومواقف تُتخذ، وجهد يُبذل من أجل أمن السودان واستقراره ووحدة أراضيه وصون كرامة شعبه.
* وأحسب أن هؤلاء الثلاثة يستحقون أن نفرد لكل واحد منهم مساحة مستقلة للحديث عن موقعه، وطبيعة مسؤولياته، وما ارتبط بتجربته من مواقف وأدوار. فليس من الإنصاف أن نجمع تجارب مختلفة في سطور قليلة، أو أن نختزل مسؤوليات كبيرة في عبارات عامة.
* ولذلك، سأعود إليكم غداً، بإذن الله، للحديث عن كل واحد منهم على حدة، متناولاً دوره وموقعه وأبرز المواقف المرتبطة بمسيرته، في محاولة لقراءة أدوار رجال يعملون في مواقع تتطلب الكثير من الحزم والحكمة والقدرة على اتخاذ القرار.
* فالسودان، في هذه المرحلة المفصلية من تاريخه، يحتاج إلى قراءة موضوعية لمواقف رجاله، وإلى خطاب وطني يقدّر الجهد، وينصف المواقف، ويضع المصلحة العليا للبلاد فوق كل اعتبار.
* حفظ الله السودان وأهله، ووفّق كل من يعمل بإخلاص من أجل أمنه واستقراره ورفعة شأنه.



