الأخبار المحلية

رفع الحظر عن السلع الغذائية..هل تكفي لتخفيف الضائقة المعيشية؟

إشراقات. انتصار جعفر

قوبل قرار رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، برفع الحظر عن استيراد أكثر من 42 سلعة غذائية، من بينها القمح والأرز والفول المصري، بارتياح واسع وسط قطاعات من الشعب السوداني، باعتباره خطوة تمس صميم الحياة اليومية للمواطن، الذي بات يواجه أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة، في ظل الارتفاع المتواصل والجنوني في أسعار السلع والخدمات، وما ترتب عليه من أعباء أثقلت كاهل الأسر، لا سيما أصحاب الدخول المحدودة.
فقد ألقت موجة الغلاء بظلالها الثقيلة على المشهدين الأسري والاجتماعي، وأصبحت متطلبات الحياة اليومية تمثل هاجساً يؤرق الكثير من الأسر السودانية. ولم يعد الأمر مقتصراً على صعوبة توفير الكماليات أو تحسين مستوى المعيشة، بل امتد ليشمل الضروريات الأساسية من غذاء ودواء ومواصلات، وغيرها من الاحتياجات التي لا تستقيم الحياة من دونها.
وفي ظل هذه الأوضاع، تتزايد مخاوف المواطنين من استمرار تدهور قدرتهم الشرائية، وتتراجع آمالهم في استعادة الاستقرار المعيشي، خاصة مع اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار. فهناك أسر يعمل أكثر من فرد فيها، ومع ذلك لا تكفي حصيلة دخولهم لتغطية احتياجات الأسرة الأساسية، ناهيك عن توفير حياة كريمة تمنح أفرادها الحد الأدنى من الاستقرار والطمأنينة.
ولا شك أن رفع الحظر عن استيراد السلع الغذائية يمكن أن يسهم في زيادة المعروض بالأسواق، وتعزيز المنافسة بين الموردين، وربما تخفيف الضغوط على أسعار بعض السلع، إذا نُفذ القرار بكفاءة وانعكست آثاره بصورة مباشرة على المستهلك. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يكفي رفع الحظر عن الاستيراد وحده لإخراج المواطن من دائرة الضائقة المعيشية، أم أن الأزمة تحتاج إلى حزمة متكاملة من المعالجات الاقتصادية؟
إن معالجة الأزمة لا تتوقف عند السماح باستيراد السلع، مهما بلغت أهميتها، وإنما تتطلب النظر إلى مجمل العوامل التي تتحكم في أسعارها وتكاليف وصولها إلى المستهلك. فاستقرار سعر الصرف، وتوفير النقد الأجنبي، وخفض تكاليف النقل والترحيل، وتيسير الإجراءات الجمركية، والحد من تعدد الرسوم، وتشديد الرقابة على الأسواق، كلها عوامل مؤثرة في تحديد السعر النهائي للسلعة.
كما أن ارتفاع سعر الدولار وانعكاساته على تكلفة الاستيراد لا يقتصران على المواد الغذائية، بل يمتدان إلى الوقود ومشتقاته، والأدوية، وقطع الغيار، ومدخلات الإنتاج، وغيرها من السلع والخدمات التي ترتبط بها تفاصيل الحياة اليومية.
ومن ثم، فإن أي معالجة جادة لكبح جماح الغلاء لا بد أن تتناول هذه العوامل بصورة متوازنة، حتى لا تظل القرارات الإيجابية محدودة الأثر أمام اتساع الأزمة.
والأهم من ذلك أن يشعر المواطن بنتائج القرارات في الأسواق، لا أن تظل مجرد إجراءات معلنة لا يلمس أثرها في حياته اليومية. فزيادة المعروض من السلع ينبغي أن تصاحبها رقابة فاعلة تحول دون استغلال القرار لتحقيق مكاسب إضافية على حساب المستهلك، مع ضمان وصول السلع إلى الأسواق بأسعار معقولة، وتشجيع الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الاستيراد كلما أمكن ذلك.
لقد أنهكت الضائقة المعيشية المواطن السوداني نفسياً واجتماعياً، وأصبحت أعباء الحياة اليومية تسرق من الأسر لحظات الفرح والاستقرار. فبدلاً من أن تنشغل الأسر بتعليم أبنائها، وتطوير أوضاعها، والتخطيط لمستقبل أفضل، باتت غالبية جهودها تنصب على كيفية تدبير احتياجات اليوم، ومواجهة متطلبات الغد.
وهنا تبرز أهمية أن تتجاوز المعالجات الاقتصادية حدود القرارات الجزئية إلى رؤية أوسع تستهدف استقرار الأسواق، وتحسين القوة الشرائية، ومراجعة السياسات التي تؤثر في تكلفة السلع والخدمات، إلى جانب دعم الإنتاج الزراعي والصناعي، والاستفادة من إمكانات السودان الكبيرة في توفير احتياجاته الغذائية.
فالسودان يمتلك أرضاً خصبة وموارد زراعية وحيوانية واعدة، ويمكن أن يشكل الإنتاج المحلي أحد أهم مداخل الخروج من الأزمات المتكررة، متى ما توافرت له مستلزمات الإنتاج والتمويل والطاقة ووسائل النقل والتسويق. فالاستيراد قد يسهم في سد الفجوات وتوفير السلع، لكن الاعتماد المستدام على الإنتاج المحلي يظل ضرورة اقتصادية واستراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي وتخفيف الضغط على النقد الأجنبي.
إن المواطن لا ينتظر قرارات تخفف عنه عبئاً واحداً بينما تتزايد عليه أعباء أخرى، وإنما يتطلع إلى خطوات متكاملة تعيد التوازن إلى الأسواق، وتحد من الارتفاع المتواصل للأسعار، وتمنحه القدرة على توفير احتياجات أسرته بكرامة واطمئنان..

إشراقة أخيرة..

نريد انفراجا كاملا !!

بعد أن عاش الشعب السوداني ويلات الحرب بكل تفاصيلها المؤلمة، ودفع ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره وأمواله وأرواحه، كان يمني النفس بأن تحمل مرحلة ما بعد الحرب بشريات حياة أكثر أمناً وكرامة، وأن تكون استعادة الدولة وتحرير معظم أجزاء البلاد بدايةً لمرحلة جديدة من التعافي والاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية.
وكانت العودة إلى الخرطوم، بالنسبة إلى كثير من أبنائها، أكثر من مجرد رجوع إلى المنازل؛ فقد حملت أشواقاً وحنيناً وآمالاً كبيرة في استعادة الحياة الطبيعية، ولمّ شمل الأسر، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، وفتح أبواب الأمل أمام مستقبل أفضل.
لكن هذه الآمال تظل بحاجة إلى ترجمة عملية على أرض الواقع، تبدأ بتخفيف الأعباء عن كاهل المواطن، وتوفير ضروريات الحياة بأسعار تتناسب مع دخله، وصولاً إلى استعادة الطمأنينة والاستقرار الاجتماعي.
إن قرار رفع الحظر عن استيراد السلع الغذائية خطوة يمكن البناء عليها، لكن نجاحها الحقيقي يُقاس بمدى انعكاسها على حياة الناس، وبقدرتها على تخفيف معاناتهم، لا بمجرد صدورها. فالمواطن الذي صبر على ويلات الحرب يستحق أن يرى ثمار السلام في معيشته، وأن يجد في القرارات الاقتصادية أملاً حقيقياً يبدد مخاوفه ويعيد البسمة إلى أسرته.
فهل تكون هذه القرارات بداية الطريق نحو انفراج اقتصادي طال انتظاره، أم أنها تحتاج إلى قرارات أخرى أكثر شمولاً حتى يشعر المواطن بثمارها؟.

نصر من الله وفتح قريب.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى