
بيننا وبين الأستاذة والكاتبة الصحفية سهير عبدالرحيم زمالة راقية، واحترام متبادل، وأدب مهني أعتز به كثيراً. تجمعنا مهنة الصحافة والإعلام، وتجمعنا قبل ذلك مساحة إنسانية أوسع، هي حب السودان والوقوف إلى جانب المواطن السوداني في محنه.
ولهذا تحديداً أكتب اليوم.
أكتب لا خصومةً مع سهير، ولا انتصاراً لطرف على طرف، وإنما من باب الزمالة التي تسمح لنا أن نختلف، وأن نصحح لبعضنا بعضاً، دون أن نكسر جسور المحبة والاحترام.
سهير عبدالرحيم ليست غريبة عن ميادين العمل الطوعي.
وأشهد لها، وأنا أعرف جانباً كبيراً من تجربتها، بأنها صاحبة مبادرات إنسانية مقدرة؛ من «الشتاء الدافئ» برفقة الزميل عثمان الجندي، إلى مبادراتها تجاه أطفال الشوارع وفاقدي السند، وصولاً إلى مبادرة «فاطرين معاكم».
وهي مواقف لا يمكن أن يمحوها مقال أو اختلاف في وجهة نظر.
بل إن سهير نفسها كانت حاضرة في مساحات وطنية كثيرة، وساندت القوات المسلحة السودانية وانتصاراتها، ووقفت في صف السودان والسودانيين. ولذلك فإنني أقرأ مقالها الأخير من هذه الزاوية تحديداً: زميلة وطنية أختلف معها في بعض ما ذهبت إليه، ولا أختلف معها في حب السودان.
السفارة ليست غائبة كما صوّر المقال
تحدثت الأستاذة سهير عن سفارة السودان بالقاهرة، وطرحت أسئلة مشروعة حول دورها في حماية حقوق السودانيين، خصوصاً في ملف العلاج.
والسؤال حق مشروع، بل إن مساءلة المؤسسات عن أدائها أمر صحي في أي مجتمع.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المعلومة غير المكتملة إلى حكم كامل، وعندما تختزل جهود مؤسسة كبيرة في واقعة واحدة أو ملف واحد.
وأقول ذلك من موقع المواطن السوداني الذي تابع جانباً من هذه الملفات عن قرب، وليس من موقع موظف في السفارة أو إعلامي يعمل بها.
أنا لست إعلامياً يعمل في سفارة السودان بالقاهرة حتى أدافع عنها، ولست مصرياً حتى أحتاج إلى الدفاع عن مصر. أنا سوداني عاش بين المصريين، ورأى منهم الكثير من الخير، وتابع ما تقوم به السفارة والملحقية الطبية تجاه أبناء بلده.
وفي ملف العلاج تحديداً، كنت شاهداً على خطوات عديدة تمت، وخصوصاً في علاج السودانيين من مرضى السرطان، وكذلك في ملفات أخرى تشمل علاج الكلى، وما قبل زراعة الأعضاء وما بعدها، وعلاج السكري، وبعض الحالات المرضية المعقدة.
وبطاقة علاج السودانين بالقاهرة بالشراكة مع شركة اكسون خير شاهد ودليل علي صحة كلامي
وهنا لا بد أن أسجل تحية خاصة لقائد الملحقية الطبية وكل العاملين فيها، وللدكتور خضر فيصل، الذي بذل جهداً كبيراً في ملف علاج مرضى السرطان، وذهب بهذا الملف إلى مساحات تستحق التقدير.
ولا أعتقد أن نجاح أي مبادرة يجب أن يتحول إلى سبب للهجوم على أصحابها.
بهية ليست كل الحكاية
اختزال ملف علاج السودانيين في مصر في قضية مركز واحد، أو في واقعة واحدة، لا يعكس الصورة الكاملة.
هناك ملفات علاجية كثيرة تُدار، وهناك مرضى سودانيون وجدوا أبواباً للعلاج والرعاية، وهناك جهود تتم بعيداً عن الأضواء.
وهذا لا يعني أن كل شيء كامل، أو أن السفارة والملحقية الطبية لا تحتاجان إلى التطوير والمراجعة.
بالعكس.
المؤسسة الناجحة هي التي تقبل النقد، وتصحح الأخطاء، وتفتح أبوابها أمام المواطن.
لكن النقد المهني يحتاج إلى معلومات دقيقة، وإلى سماع الطرف الآخر، وإلى التفريق بين وجود مشكلة في ملف معين وبين إصدار حكم شامل على مؤسسة بأكملها.
مصر والسودان… أكبر من حملات عابرة
أما العلاقة بين مصر والسودان، فهي ليست علاقة سفارات فقط، ولا علاقة حكومات فقط.
إنها علاقة شعبين، ودم، وجغرافيا، وتاريخ، ووجدان مشترك.
لقد عشت بين المصريين، وشاركتهم مناسبات كثيرة، ورأيت كيف وقفوا إلى جانب السودانيين في ظروف الحرب والنزوح والعودة.
ورأيت سودانيين ومصريين يتبادلون المشاعر في لحظات الفرح والحزن، ورأيت المصريين يشاركون السودانيين فرحتهم بانتصارات القوات المسلحة، كما رأيت لحظات وداع السودانيين العائدين إلى وطنهم؛ لحظات امتزجت فيها الدموع من الجانبين.
وفي تلك اللحظات كان السوداني سفيراً لبلاده بأخلاقه وطيبته، وكان المصري سفيراً لبلاده بكرمه ومشاعره.
نعم، هناك أصوات نشاز من هنا وهناك.
لكن الشواذ لا يصنعون قاعدة، والحملات العابرة لا تختصر علاقة شعبين.
ومن يهاجم السودان والسودانيين لا يمثل كل مصر، كما أن من يهاجم مصر والمصريين لا يمثل كل السودان.
وكم كتب شعراؤنا، وغنى فنانونا، وأنشد مدّاحونا في حب مصر وأهلها.
فهل يمكن لمقال أو حملة على مواقع التواصل أن تمحو كل هذا التاريخ؟
بالطبع لا.
عزيزتي سهير…
أختي وزميلتي سهير عبدالرحيم…
إن كنتِ كتبتِ مقالك بدافع الغيرة على السودانيين، فأنا أتفهم دوافعك، وأحترم غيرتك.
لكنني أتمنى منك، وأنت صاحبة القلم الذي نعرفه، أن تمنحي الصورة كاملة حقها قبل أن نصدر الأحكام.
وإن كانت بعض المعلومات قد وصلتك من مصادر لم تكن دقيقة، فليس عيباً أن نراجعها.
القلم الكبير لا يخسر عندما يقول: كنت مخطئاً في هذه الجزئية.
بل يكبر.
وأنا على يقين أن سهير التي أعرفها، صاحبة المبادرات الإنسانية، والمحبة للسودان، والمدافعة عن أهله، لا يمكن أن تقصد الإساءة إلى علاقة تاريخية عظيمة بين الشعبين.
شكراً مصر
كتبت كثيراً عن مصر، شعباً وحكومة، حباً وعشقاً وامتناناً، وما زلت أقول إن كل ما كتبناه من كلمات لم يعطِ مصر وأهلها حقهم.
شكراً مصر.
شكراً لشعبها الطيب.
شكراً لكل مصري فتح بيته وقلبه للسودانيين.
وشكراً لكل سوداني كان خير سفير لبلاده في أرض الكنانة.
وللسفارة السودانية بالقاهرة، نقول: المطلوب ليس أن تكونوا فوق النقد، وإنما أن تكونوا أقرب إلى المواطن، وأن توضحوا ما تقومون به، وأن تجعلوا المعلومة متاحة حتى لا تتركوا فراغاً تملؤه الشائعات.
وللصحافة نقول: نحن حراس الحقيقة، لا أسرى الانطباع.
ولسهير أقول: اختلافنا لا يفسد للود قضية، وقلمي اليوم لا يخاصم قلمك، وإنما يحاوره.
فلكِ مني كل المحبة والاحترام.
ولمصر وأهلها:
محبتنا ليست موقفاً عابراً، وعلاقتنا ليست خبراً في صحيفة، ولن يستطيع أحد أن ينال منها.
مرفأ الكلمات
عثمان عولي



