سياسةأخلاقيات المهنة الطبية والصحية في السودان المسؤولية التنظيمية وآليات الرقابة والمساءلة القانونية

شهدت منصات التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة جدلاً علمياً واسعاً حول موضوع التطعيمات ( القديم المتجدد)، تداوله عدد من علمائنا وأطبائنا الكرام، وأبدى كل منهم رأيه ومنهجه في تقييم الأدلة العلمية المتاحة.
ولسنا هنا في موضع الحكم على النوايا، إذ لا شك أن الجميع يسعى — فيما يُعلن — إلى مصلحة المواطن السوداني وصون صحته. غير أن المواطن العادي، الذي لا يملك أدوات الفصل بين الآراء المتعارضة، وجد نفسه في حيرة حقيقية: إلى أي الفريقين يستمع؟ ومن أي المنطلقات يحكم؟
وزاد الأمر صعوبةً ذلك الصمت المُثقِل من الجهات المعنية — وزارة الصحة والمجلس القومي — في وقت كان المواطن أحوج ما يكون إلى صوت مؤسسي واضح وموثوق.
إن هذا المشهد لا يطرح مشكلة علمية فحسب، بل يكشف أزمة في أخلاقيات الخطاب المهني الصحي الذي يهدد الصحة العامة والتي تمثل امن وطني؛ إذ لا يكفي أن يكون الرأي صحيحاً، بل يجب أن يُقال في وقته المناسب، بمنهجيته الصحيحة، وعبر قنواته المشروعة، مع إدراك تام للأثر الذي يتركه على ثقة الجمهور في المنظومة الصحية.
من هذا المنطلق، تأتي هذه الورقة لتناقش المنهجية الواجبة في التصريح العلمي العام، وأخلاقيات الاختلاف المهني، ومسؤولية الصمت المؤسسي، سعياً نحو ترسيخ ثقافة مهنية ترتقي بمستوى الخطاب الصحي في السودان إلى ما يليق بحجم التحديات التي تواجهها البلاد.
1. مختصر
تعالج هذه السياسة مسألة المسؤولية القانونية والمهنية عن التزام الأطباء والكوادر الصحية بأخلاقيات المهنة في ولاية الخرطوم. اعتمد المنهجُ على تحليل الأطر التشريعية الناظمة للمجلس الطبي السوداني ومجلس المهن الطبية والصحية (1)(3)(5)، فضلاً عن مراجعة معايير لجان الجودة المؤسسية (8). خلصت السياسة إلى ضرورة تفعيل آليات التنسيق بين الجهات التنظيمية (وزارة الصحة، المجلس الطبي، مجلس المهن الطبية) والنيابة العامة لمواجهة التهديدات الصحية، لا سيما المعلومات المضللة (9)(12).
2. الإطار المؤسسي والتنظيمي
المجلس الطبي السوداني: الهيئة المرجعية المستقلة المختصة بتسجيل الأطباء، إصدار تراخيص المزاولة، ومراقبة الالتزام بمدونات السلوك المهني (3).
مجلس المهن الطبية والصحية: الجهة التنظيمية المختصة بالكوادر المساعدة (التمريض، المختبرات، الأشعة، وغيرها)، ويمارس صلاحيات تأديبية موازية للمجلس الطبي (5).
وزارة الصحة: تضطلع بمسؤوليات إدارية تشمل التحقيقات الوظيفية والجزاءات وفق قانون الخدمة المدنية وقانون العمل (7)، وتعمل كحلقة وصل بين المؤسسات العلاجية والجهات التنظيمية (1).
3. لجان الجودة المؤسسية ولجنة أخلاقيات المهنة
تعمل المؤسسات الصحية وفق منظومة تضم عشر لجان جودة، تُعد لجنة أخلاقيات المهنة الركيزة الأهم بينها؛ نظراً لاستقلاليتها الوظيفية، شمولها لجميع العاملين، وكونها خط الدفاع الأول للتحقيق والتقييم قبل الإحالة للمجالس القومية (8)(2)(6).
4. الشائعات الطبية وتهديد الصحة العامة
أثبتت السياسة أن حرية التعبير العلمي لا تعفي المهني الصحي من المسؤولية عند نشر معلومات تمس الصحة العامة (4)(15). ويُعد نشر معلومات تخالف الإجماع العلمي، أو التحريض ضد برامج التحصين، أو بث الذعر حول الأوبئة، مخالفة مهنية تستوجب المساءلة الجنائية بموجب قوانين المعلوماتية والصحة العامة (13)(10)(11)(12).
5. الطب المبني على البرهان معياراً لازماً في القضايا ذات الصلة بالصحة العامة
يُشكّل الطب المبني على البرهان (Evidence-Based Medicine — EBM) الركيزةَ المعرفية والأخلاقية التي ينبغي أن تستند إليها كل قضية تُطرح في الفضاء العام وتمس الصحة العامة ( الجماعية). ويُعرَّف بأنه التكامل الواعي والصريح والمدروس بين أفضل الأدلة البحثية المتاحة، والخبرة السريرية للمختص، وقيم المريض وظروفه (21). وتكتسب هذه المرجعية أهمية مضاعفة في سياقات الأزمات والأوبئة، إذ يغدو التسرع في تداول المعلومات غير المحققة تهديداً مباشراً للثقة في المنظومة الصحية وفي القرارات الوقائية (22).
ومن المنظور التنظيمي، يُلزَم المهني الصحي عند تصريحه العلني أو استشارته المجتمعية بأن يستند إلى مستويات الأدلة المعترف بها دولياً، وفي مقدمتها المراجعات المنهجية والتجارب العشوائية المضبوطة ومواقف المنظمات العلمية الموثوقة (22)(23). وتتضمن المخالفة الأخلاقية في هذا الإطار: الادعاء بيقين علمي لا يسنده الدليل، وتضخيم نتائج دراسات أولية دون تحفظ منهجي، وإغفال التوافق العلمي القائم لصالح آراء فردية أو مصادر غير محكّمة (4)(11).
وعليه، تُوصي هذه السياسة بأن تعتمد لجان أخلاقيات المهنة معايير الطب المبني على البرهان أساساً للفصل في الشكاوى المتعلقة بالتصريحات الصحية العامة، وأن تُدرج برامج التطوير المهني المستمر في مؤسسات الصحة المنهجيةَ الاستدلاليةَ ضمن محاورها الإلزامية (1)(16)(17).
6. الإجراءات القانونية والإدارية
تمر عملية المساءلة بأربع مراحل (7)(8):
التوثيق: جمع الأدلة الرقمية والمادية للواقعة.
الشكوى: الرفع للجنة الأخلاقيات المؤسسية أو الوزارة أو المجالس المهنية.
التحقيق: مسار إداري وفني متوازي.
المساءلة: إيقاع العقوبات المهنية (سحب الترخيص) أو الجنائية (عبر النيابة العامة).
7. التوصيات
تفعيل لجان أخلاقيات المهنة في كافة المستشفيات الحكومية والخاصة (8)(16)(17).
إنشاء آلية تنسيق رسمية بين وزارة الصحة، المجالس المهنية، والنيابة العامة (1)(3)(5).
تطوير أدلة إجرائية للتعامل مع الانتهاكات الأخلاقية في الفضاء الرقمي (13)(11)(4).
تفعيل أنظمة الإنذار المبكر لرصد ودحض المعلومات الطبية المضللة (9)(12)(20).
اعتماد معايير الطب المبني على البرهان مرجعاً إلزامياً في لجان الأخلاقيات المؤسسية عند البت في قضايا الصحة العامة (21)(22)(23).
8. المصادر والمراجع
(1) وزارة الصحة — السودان. الخطة الاستراتيجية الوطنية للصحة 2023-2027. الخرطوم؛ 2023.
(2) Beauchamp TL, Childress JF. Principles of Biomedical Ethics. 8th ed. Oxford: Oxford University Press; 2019.
(3) قانون المجلس الطبي لجمهورية السودان وتعديلاته. الخرطوم: المجلس الوطني؛ 2016.
(4) Swire-Thompson B, Lazer D. Public health and online misinformation. Annu Rev Public Health. 2020;41:433-51.
(5) قانون مجلس المهن الطبية والصحية لجمهورية السودان. الخرطوم: المجلس الوطني؛ 2016.
(6) المجلس الطبي العربي. ميثاق أخلاقيات الطب العربي والمعايير المهنية. القاهرة: جامعة الدول العربية؛ 2019.
(7) قانون الخدمة المدنية السوداني (التحقيق والجزاء). الخرطوم: المجلس الوطني؛ 2007.
(8) Joint Commission International. JCI Accreditation Standards for Hospitals. 7th ed. Oak Brook: JCI; 2021.
(9) منظمة الصحة العالمية. التعامل مع المعلومات الصحية المضللة: إطار عمل. القاهرة: WHO/EMRO؛ 2022.
(10) Chou WS, Oh A, Klein WMP. Addressing health-related misinformation on social media. JAMA. 2018;320(23):2417-18.
(11) Wardle C, Derakhshan H. Information disorder: towards an interdisciplinary framework for research and policy making. Strasbourg: Council of Europe; 2017.
(12) World Health Organization. Infodemic management: COVID-19 global response. Geneva: WHO; 2021.
(13) قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لجمهورية السودان. الخرطوم: المجلس الوطني؛
(14) Larson HJ, Heymann DL. Public health response to influenza A (H1N1) as an opportunity to build public trust. JAMA. 2010;303(3):271-72.
(15) World Medical Association. WMA International Code of Medical Ethics. Ferney-Voltaire: WMA; 2022.
(16) General Medical Council. Good Medical Practice: Guidance for Doctors. London: GMC; 2023.
(17) American Medical Association. AMA Code of Medical Ethics: Professionalism. AMA J Ethics. 2022.
(18) CIOMS. International Ethical Guidelines for Health-related Research Involving Humans. Geneva: CIOMS; 2016.
(19) International Council of Nurses. The ICN Code of Ethics for Nurses. Geneva: ICN; 2021.
(20) UNICEF Sudan. Health Communication in Crisis: Sudan Progress Report. Khartoum: UNICEF; 2024.
(21) Sackett DL, Rosenberg WM, Gray JA, Haynes RB, Richardson WS. Evidence based medicine: what it is and what it isn’t. BMJ. 1996;312(7023):71-72.
(22) Greenhalgh T, Howick J, Maskrey N. Evidence based medicine: a movement in crisis? BMJ. 2014;348:g3725.
(23) Oxford Centre for Evidence-Based Medicine. OCEBM Levels of Evidence. Oxford: University of Oxford; 2011.
د. محمد إبراهيم عبد الرحمن يوسف
وزارة الصحة – ولاية الخرطوم
مارس 2026م
Dr.Mohammed Ibrahim Abdelrahman Yousif
