ضعف الراتب الشهري للأستاذ الجامعي في السودان: تآكل صامت للعطاء العلمي والمكانة المجتمعية
د. عباس يس محمد احمد جامعة السودان المفتوحة

يشكل الأستاذ الجامعي الركيزة الأساسية لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي في أي أمة، فهو مهندس العقول ومنتج المعرفة.
ولطالما ارتبطت مكانة الأستاذ الجامعي عبر التاريخ بالهيبة والعطاء والقدرة على التفرغ لرسالته العلمية. كان الراتب المجزي بمثابة الضمان الذي يحرره من الانشغال بالهموم المعيشية، ليتفرغ للتدريس والبحث وخدمة المجتمع
إلا أن الأستاذ الجامعي في السودان في العقدين الاخيرين يعيش واقعاً معقداً، يتجلى ذلك في تفاقم أزمة ضعف الراتب الشهري بشكل غير مسبوق نتيجة الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد. يتجاوز أثر هذا الضعف الجانب المادي ليشمل تدهوراً شاملاً في الأداء العلمي والبحثي، وتآكلاً في الصحة النفسية والاستقرار الاجتماعي، وصولاً إلى التأثير السلبي على تربية الأبناء وتنشئتهم. وتحولت مهنة التدريس الجامعي من رسالة سامية إلى معركة يومية من أجل البقاء. لم يعد الراتب الشهري، الذي تآكلت قيمته الشرائية بشكل كبير، قادراً على تلبية الاحتياجات الأساسية للفرد والأسرة. هذا الواقع يفرض نفسه بقوة على حياة الأستاذ الجامعي بكل أبعادها.
كل ذلك دفع الاساتذة لتكوين لجنة أساتذة الجامعات السودانية ( لاجسو) ممثلة عنهم امام كافة المؤسسات الحكومية والخاصة والتي ظلت منذ تأسيسها تكافح من اجل حصول الاستاذ على حقوقه التي صدرت بقوانين ولوائح الدولة
والسؤال الذي يدور في خاطري هو ماذا سيحدث للاستاذ الجامعي من تأثيرات اذا لم تستجيب الدولة في تنفيذ ما يصبو اليه كل استاذ جامعي؟ استنادا على هذا السؤال يكون هدف هذا المقال تحليل التأثيرات المتشابكة الناتجة عن ضعف الراتب وتسليط الضوء على المخاطر الجسيمة التي تهدد مستقبل الاستاذ الجامعي بمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في السودان ورفع ذلك للجهات المسؤولة عن التعليم العالي والبحث العلمي من رأس الدولة بإعتباره الراعي الاعلى لكل مؤسسات التعليم الاعلي وللمجلس الاعلى للتعليم العالي والبحث العلمي ووزير المالية الي أصغر مسؤول في الدولة
على كل حال يمكن توضيح تلك التأثيرات المباشرة على الاستاذ الجامعي في النقاط التالية:
*أولاً: التأثيرات العلمية والبحثية:*
ضعف الراتب له تأثير مدمر ومباشر على الإنتاجية العلمية للأستاذ الجامعي ونذكر بعض الامثلة في النقاط التالية:
١. *تآكل وقت البحث:* عندما يضطر الأستاذ للبحث عن مصادر دخل إضافية (عمل إضافي في جامعات خاصة، أعمال حرة، تجارة صغيرة) لسد احتياجاته الأساسية، فإنه يستهلك الجزء الأكبر من وقته وجهده الذهني الذي كان من المفترض تخصيصه للبحث العلمي والاطلاع على المستجدات في تخصصه وبذلك لا يجد الوقت الكافي لتطوير بحوثه ومحاضراته وتقل مساهماته العلمية والبحثية
٢. *العزلة العلمية:* بقلة الراتب أصبح من المستحيل على معظم الأساتذة شراء الكتب العلمية الحديثة، أو تجديد اشتراكاتهم في الدوريات والمجلات العلمية الدولية، أو حتى توفير خدمة إنترنت قوية تمكنهم من متابعة الأبحاث المنشورة في قواعد البيانات العالمية. وكما وان كثير من المجلات العلمية تطالب الاستاذ الجامعي برسوم النشر العلمي التي لم تعد في استطاعته لضعف الراتب وهذا يؤدي إلى عزلة علمية وتخلف عن ركب التطور المعرفي والترقي في الدرجات العلمية.
٣. *توقف المشاركة في المؤتمرات:* لم يعد الأستاذ الجامعي قادراً على تحمل تكاليف السفر والإقامة ورسوم المشاركة في المؤتمرات العلمية المحلية والدولية، والتي تعد المنصة الأهم لعرض الأبحاث وتبادل الخبرات وبناء العلاقات الأكاديمية. هذا يحرمه من فرص التمويل والنشر المحلي والدولي وكل ذلك لضعف عائد المادي للاستاذ.
٤. *تراجع جودة الأبحاث:* يلجأ بعض الاساتذة بسبب ضيق الوقت وعدم القدرة على توفير المستلزمات المعملية أو إجراء الدراسات الميدانية المكلفة، إلى أبحاث أقل تكلفة وأقل جودة، علما انها من متطلبات الترقية التي تصعب مع الإمكانيات المتاحة من الراتب الشهري.
٥. *ضعف الإشراف على طلاب الدراسات العليا:* الإشراف العلمي الجيد يحتاج إلى وقت وجهد وجلسات نقاش مطولة. الأستاذ المنشغل بتأمين قوت يومه لا يستطيع تقديم الوقت الكافي للإشراف المطلوب، مما ينعكس سلباً على جودة الرسائل العلمية ومخرجات البحث العلمي.
*ثانياً: التأثيرات الاقتصادية:*
ضعف الراتب للاستاذ الجامعي هو سبب رئيسي ومباشر لمجموعة من المشكلات الاقتصادية الأخرى التي تؤثرا تأثيرا مباشرا عليه وهذه النقاط التالية على سبيل المثال:
١. *تراكم الديون:* يلجأ الأستاذ إلى الاستدانة لتغطية نفقاته الأساسية (الطعام، الدواء، التعليم، الإيجار)، مما يقع في دوامة ديون لا تنتهي، ويشكل عبئاً نفسياً كبيراً.
٢. *الاعتماد على مصادر أخري:* كما ذكرنا، يتحول الأستاذ أحياناً إلى سائق تاكسي أو تاجر صغير أو أي عمل آخر لا علاقة له بتخصصه، مما يشعره بالإحباط وفقدان الهوية المهنية.
٣. *الهجرة العلمية (Brain Drain)*: يدفع ضعف الراتب وانعدام الأمل في التحسن العديد من الأساتذة الأكفاء إلى البحث عن فرص عمل في الخارج أو في المنظمات الإقليمية والدولية، مما يمثل خسارة فادحة للجامعات السودانية والبحث العلمي فيها بفقدان خبرات يصعب التعويض عنها وهذا هو أخطر أشكال النزيف للعقول السودانية.
٤. *التضخم والغلاء:* التضخم الجامح يجعل قيمة الراتب للاستاذ الجامعي تتبخر مع الايام الاوائل من الشهر، بالاضافة الي ارتفاع الايجار السكنى للاستاذ علما بان معظم الجامعات ليس توفر سكن لاساتذتها مما يعمق الأزمة اليومية للأسرة.
*ثالثاً: التأثيرات النفسية:*
الحالة النفسية للأستاذ الجامعي هي انعكاس مباشر للضغوط المالية والاجتماعية التي يعاني منها ومثال ذلك:
١. *القلق والتوتر المزمن:* التفكير الدائم في كيفية تدبير مصاريف الشهر، وعلاج مريض، أو دفع أقساط المدرسة وغيرها من الالتزامات الضرورية، يولد حالة من القلق والتوتر المستمرين.
٢. *الاكتئاب والإحباط:* عدم تمكن الاستاذ ومقدرته من تقديم الافضل في التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع والشعور بالتقصير تجاه الأسرة، وفقدان القدرة على توفير حياة كريمة لهم، بالإضافة إلى تآكل المكانة الاجتماعية، كلها عوامل تؤدي إلى مشاعر الإحباط والاكتئاب وكلها نتيجة لضغف الراتب
٣. *فقدان الشغف*: ينعكس هذا الضغط النفسي سلباً على الحالة المزاجية داخل قاعة المحاضرة وفي البحث العلمي يصبح الأستاذ منهكاً ذهنياً وجسدياً، غير قادر على بث الحماس والشغف في نفوس الطلاب، ويقتصر دوره أحياناً على أداء المهمة بشكل روتيني.
٤. *الشعور بالدونية:* مقارنة وضعه المالي المتدهور بغيره من أفراد المجتمع الذين قد لا يتمتعون بنفس مستواه العلمي ولكنهم يعيشون برغد، يولد لديه شعوراً بالدونية وعدم التقدير.
*رابعاً: التأثيرات الاجتماعية:*
المكانة الاجتماعية للأستاذ الجامعي، التي كانت راسخة في الماضي، أصبحت الآن مهددة بشدة والنقاط التالية توضح جزء منها:
١. *تراجع المكانة الاجتماعية:* في مجتمع يقيس قيمة الفرد أحياناً بالدخل المادي والعيني، تراجعت مكانة الأستاذ الجامعي بشكل كبير. وفي كثير من المناطق بالسودان لم يعد الاستاذ الجامعي المثقف أو العالم هو قدوة المجتمع كما كان سابقاً.
٢. *الانعزال الاجتماعي:* يضطر الأستاذ للاعتذار عن المناسبات الاجتماعية (أفراح، عزاء، زيارات) بسبب ضيق ذات اليد، مما يؤدي إلى ضعف علاقاته الاجتماعية وانعزاله تدريجياً عن محيطه في وقت هو مطالب بتنمية ذات المجتمع الذي انعزل عنه.
٣. *الضغط على العلاقات الأسرية:* الخلافات الزوجية بسبب ضيق الحال وعدم القدرة على تلبية متطلبات الحياة أصبحت شائعة، مما يهدد استقرار الأسرة وتماسكها.
**خامساً: التأثيرات على تربية الأبناء: **
ربما يكون هذا هو الجانب الأكثر إيلاماً للاستاذ الجامعي، حيث يدفع الأبناء ثمن الأزمة التي يعاني منها آباؤهم ومن أمثلة ذلك:
١. *الحرمان من فرص التعليم الجيد*: يجد الأستاذ نفسه غير قادر على دفع تكاليف مدارس جيدة لأبنائه، أو حتى توفير دروس خصوصية لهم، مما قد يؤثر على مستواهم التعليمي ومستقبلهم.
٢. *الحرمان من الرعاية الصحية*: قد يتأخر الاستاذ الجامعي في علاج أبنائه أو يضطر للعلاج في مؤسسات صحية متواضعة، مما يعرض صحتهم للخطر.
٣. *الحرمان من الأنشطة الترفيهية*: لا يستطيع توفير مصروف بسيط لأبنائه، أو اصطحابهم في رحلات ترفيهية، أو شراء احتياجاتهم الأساسية كالملابس والألعاب، مما يؤثر على صحتهم النفسية ويشعرهم بالحرمان مقارنة بأقرانهم.
٤. *نقل الإحباط للأبناء:* يعيش الأبناء في جو أسري مشحون بالتوتر والقلق، وقد يتشربون إحساساً بالإحباط وفقدان الأمل، مما ينعكس على سلوكهم وتحصيلهم الدراسي.
أخيراً
إن ضعف الراتب الشهري للأستاذ الجامعي في السودان ليس مجرد مشكلة معيشية عابرة، بل هو أزمة حقيقية تهدد أسس الدولة السودانية ذاتها، فهي تهدد بتفكيك نسيجها العلمي والأكاديمي. نحن أمام حلقة مفرغة: الضغط المالي يؤدي إلى تدهور البحث العلمي، مما يؤدي إلى تخلف الجامعات، الذي يؤدي بدوره إلى تخريج أجيال أقل كفاءة، مما يعيق التنمية ويؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي. إن معالجة هذه القضية يجب أن تكون على رأس أولويات الدولة، عبر تنفيذ هيكل الأجور المجاز عبر كل الخطوات المؤسسية ولا ينقصه سوى تنزيله على الواقع، وتوفير بيئة بحثية محفزة، وإعادة الاعتبار لمكانة الأستاذ الجامعي، ليس فقط بالكلمات، بل بدعم مادي ومعنوي حقيقي يمكنه من أداء رسالته على أكمل وجه، ويحول دون تحول صرح الجامعة إلى واجهة بلا مضمون، وأساتذتها إلى أشباح يتنقلون بين قاعات الدرس وأسواق العمل اليومي بحثاً عن لقمة العيش.
ونحن نثق في لجنة أساتذة الجامعات السودانية بأنها ستقوم بكل ما هو مطلوب لرد الاعتبار للاستاذ الجامعي ونؤكد بأن الاساتذة كلهم يقفون من خلف لاجسو ولن يتزحزح استاذ واحد عنها

