الأخبار المحلية

لا تصدّق مسؤولا” يتحدث عن نهضة التعليم والصحة ما لم يثق بمؤسسات وطنية

بروفيسور بله احمد بلال

لا تكفي التصريحات عن نهضة التعليم والصحة. فالمصداقية تبدأ حين ينسجم الخطاب مع السلوك وتتحول الوعود إلى واقع يلمسه المواطن في المدرسة والمستشفى. وتزداد الثقة حين يتلقى أبناء المسؤول تعليمهم في مؤسسات وطنهم وتجد أسرته الرعاية الصحية في مستشفياته متى توافرت فيها الخدمات المناسبة.
فالثقة لا تُبنى بالخطب والشعارات بل تتجسد في المواقف. ويصبح المسؤول أكثر إقناعا” حين يكون سلوكه شاهدا” على إيمانه بما يدعو إليه.
ومن الملاحظ أن أبناء بعض المسؤولين والأساتذة يفضلون الدراسة خارج البلاد بحثا” عن الاستقرار أو عن إمكانات تعليمية أوسع. كما يلجأ بعض مسؤولي القطاع الصحي والأطباء إلى العلاج في الخارج عند الحاجة. ولا ينبغي تفسير هذه الخيارات اتهاما” أو تشهيرا” فقد تفرضها ظروف خاصة أو تخصصات غير متاحة محليا”. لكن تكرارها مع ضعف الخدمات الوطنية يثير تساؤلا” مشروعا” عن مستوى الثقة في المؤسسات التي يُفترض أن يعمل الجميع على تطويرها.
فالتعليم والصحة ليسا مجرد قطاعين خدميين. بل هما أساس بناء الدولة وميزان العدالة الاجتماعية والمرآة التي يرى المواطن فيها مدى اهتمام المسؤولين بحياته ومستقبله.
ومن حق المواطن أن يتساءل كيف نطمئن إلى جودة التعليم إذا كان بعض المسؤولين لا يختارون مدارس الوطن لأبنائهم. وكيف نثق بفاعلية النظام الصحي إذا كان بعض القائمين عليه يفضلون العلاج خارج مؤسساته.
هذه الأسئلة لا تنتقص من حق الأسر في اختيار ما تراه مناسبا”. لكنها تضع المسؤولية العامة أمام معيار أخلاقي واضح. قوامه أن ينسجم القول مع الفعل وأن يعمل المسؤول على جعل المؤسسات الوطنية جديرة بثقة الجميع. وليس اختيار التعليم أو العلاج في الخارج دليلا” قاطعا” على فشل المؤسسات الوطنية في كل الحالات. غير أن اقترانه بضعف الخدمات وغياب معايير الجودة يفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن الثقة في الأنظمة التي يتحدث المسؤولون والمهنيون عن إصلاحها.
والمسؤولية الحقيقية تبدأ بالاعتراف بمواطن الخلل ووضع خطط قابلة للتنفيذ. وتتطلب توفير الموارد اللازمة وتأهيل المعلمين والأطباء. كما تتطلب تحسين بيئة المدارس والمستشفيات وإخضاع الأداء للمساءلة والتقييم. أما الاكتفاء بالشعارات بينما يعجز المواطن عن الحصول على تعليم جيد أو علاج مناسب فلا يصنع نهضة. بل يوسّع الفجوة بين الخطاب والواقع.
ويستحق المواطن نظاما” تعليميا” يفتح أمام أبنائه أبواب المستقبل ونظامًا صحيا” يصون كرامته ويحفظ حقه في العلاج. ويتطلب ذلك إرادة جادة تُترجم إلى نتائج قابلة للقياس. ففي التعليم يُقاس التقدم بخفض أعداد الأطفال خارج المدارس وتقليل كثافة الفصول وتحسين حضور المعلمين والارتقاء بمستويات التلاميذ في القراءة والحساب. وفي الصحة يُقاس بزيادة عدد المراكز العاملة وتوافر الأدوية الأساسية وتقليص زمن الانتظار وخفض وفيات الأمهات والأطفال وتوسيع نطاق التطعيم والرعاية الصحية الأولية.
كما ينبغي نشر بيانات هذه المؤشرات دوريا” بحسب المناطق حتى يعرف المواطن ما تحقق فعليا” وتقوم محاسبة المسؤولين على النتائج لا على الوعود. ويتطلب الإصلاح كذلك إدارة رشيده وتمويلا” ورقابة شفافة. وبهذا تستعيد المؤسسات ثقة المجتمع بجودة خدماتها لا بالتصريحات عنها.
إن معيار النجاح ليس ما يقوله المسؤول بل ما يلمسه المواطن يوميا” من مدرسة لائقة ومستشفى كفؤ ومعلم وطبيب تتوافر لهما الظروف التي تعينهما على أداء رسالتهما.
فلا تصدّق مسؤولًا يتحدث عن نهضة التعليم والصحة ما لم تجد لأقواله ما يؤيدها في سلوكه وممارساته وما لم يعمل على جعل مؤسسات وطنه جديرة بالثقة. فمن أراد إقناع الناس بجودة التعليم وفاعلية النظام الصحي فعليه أن يكون أول الداعمين لإصلاحهما لا أن يكتفي بالدفاع عنهما بالكلمات.
فنهضة التعليم والصحة ليست وعودا” تُطلق من المنابر بل واقع يعيشه المواطن وخدمات تحفظ كرامته ومؤسسات يثق بقدرتها على أداء رسالتها. وحين تتطابق أقوال المسؤولين مع أفعالهم تصبح المصداقية أساسا” للإصلاح وتغدو الثقة ثمرة للعمل لا صدى للشعارات.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى