ورحل فنان الفرقان .. في غرب كردفان الدعيتر أشهر من البرهان !!
سفر القوافي محمد عبدالله يعقوب .

.
نعي وزير الثقافة والإعلام والسياحة ولاية الخرطوم الأستاذ الطيب سعد الدين أمس الممثل والفنان الدرامي مختار بخيت الشهير ب( الدعيتر) والذي إنتقل إلى جوار ربه بالمملكة العربية السعودية إثر وعكة صحية طارئة .
ويعد الراحل من أبرز رواد العمل الدرامي بالبلاد وله سجل حافل في أرشيف الاذاعة استطاع التفرد والتميز بشخصيته الأكثر تأثيرا (الدعيتر) التي قدمها بتلقائية حظيت بمتابعة وقبول واسع من قبل المشاهدين المستمعين.
وأقول : ان أكثر السياسيين خبرة وعلما وحنكة ، يظل في إنتظار اليوم الذي يشار اليه فيه بالبنان اينما سار ، في ربوع بلاده ليجد التبجيل والإحترام طوال حياته ، ولكي يصل الى تلك المرحلة من الشهرة المطلقة عليه أن يقدم الكثير من ماله وجهده وأن يكلم الناس في المدن والقرى والفرقان بما يحبون أن يستمعوا إليه من خلال وعود مرهونة بالتحقيق على أرض الواقع في كل شئ يدغدغ أحلامهم البسيطة من ماء وكهرباء وصحة وتعليم وتموين يجعلهم يملأون ( قفة الملاح) بأرخص الأسعار ، ولا أقول كيس الخضار فقد رحل الى مقبرة التاريخ غير مأسوف عليه وأعني ( كيس البلاستيك) ، ولأن الشهرة في جميع المجالات غير المقترنة بالفنون والآداب والمعروفة في جميع لغات العالم بـ( الإبداع ) تظل شهرة مكلفة وقد يكون ثمنها غاليا كالذي دفعه الرئيس الأمريكي الأشهر جون كنيدي أو رولاند ريجان الذين تعرضا للضرب بالرصاص فقضى الأول مأسوف عليه ونجا الثاني بعد أن أخطأه عاشق الممثلة الأمريكية جودي فوستر الذي لم يجد طريقا الى الشهرة سوى محاولة قتل رئيس اكبر دولة في العالم – أمريكا – لأن الجميلة قالت له لن أغرم بك لأنك غير مشهور .
ولكننا طوال أسبوع كامل – قبل سنوات – ، كنا نجوب أصقاع ولاية غرب كردفان ضمن قافلة تعزيز ثقافة السلام بقيادة البروفيسور الحاج أبا آدم عميد معهد دراسات السلام بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا والدكاترة عاطف عجيب وأفاق محمد صادق والاستاذين محمد عطا والنذير خريف والدعاة بهيئة علماء السودان، مولانا البروف عكاشة ود۔علي ود۔ابيره والطاقم الإعلامي والفرقة الغنائية والمسرحية ، وكنا كلما حللنا بمحلية طرفية يحدث شئ غريب رغم وجود أصحاب الدرجات العلمية الرفيعة ، إلا أن الأهالي من البسطاء كانوا يهرعون خلف الممثل الكوميدي مختار بخيت الشهير بـ( الدعيتر ) والذي تناول قضاياهم في عدد من إسكتشاته المسرحية المتلفزة التي أخذت طريقها الى ذواكر الهواتف المحمولة من قبل عبر ( اليوتيوب ) ، فكانوا يتحلقون حوله في الأسواق والطرقات داخل المحليات والقرى والأرياف حتى في نقاط التفتيش ، كان الجنود يحيونه وينادونه بإسمه الفني ( الدعيتر ) وهم في غاية الفرح لوصول بطلهم اليهم في اماكنهم ليرونه ( شحما ولحما ودما ) ، وأذكر أننا دخلنا في منتصف نهار الإثنين الى إدارية الحجيرات بمحلية السلام بغرب كردفان ، ولم تكن الجهات المسؤولة قد أعلمت المواطنين بأن القافلة ستزورهم ، كما أننا قد دخلنا الإدارية من أبوابها الخلفية والناس منشغلون في السوق الإسبوعي ( الإثنين) ، خرجت أنا ( الإعلامي المرافق ) الي أقرب تجمع وقلت لهم إننا جئنا إليكم لنقدم لكم ورش عن التعايش السلمي وورتق النسيج الاجتماعي واسكات صوت الرصاص وفي معيتنا فنانة وممثل كوميدي أسمه الدعيتر ، فتركوا كل شئ وساروا خلفي حتى مقر العمدة في السوق وإقتلعوا الدعيتر وخرجوا به الى واجهة المقر فتجمهروا حتى شعر أعضاء الوفد بالداخل بالحرارة الشديدة ، فأوعز العمدة لمساعده أن يخاطب الناس بأن الملتقى سيكون في ( شجرة العرديبة الكبيرة بمدرسة الأولاد) ، ولكن الزحام في تزايد شديد ، حينها طلب البروفيسور أبا من الدعيتر أن يذهب راجلا الى المكان فخرج وتبعته الجماهير بين معانق له وملتقط لصورة سيلفي معه ، وبين صائحة بإسمه ومطلقة زغرودة داوية وهكذا حتى وصل مختار بخيت الى موقع الحفل النهاري إذ لا كهرباء في تلك الإدارية ولا أي مظهر من مظاهر المدنية فيها ، وتوالت الفقرات حتى أمسك الدعيتر بالمايك فكان الهتاف والتفاعل الفريد ، وعندما أزف الوقت للمغادرة الى ادارية الدبب المجاورة رفضت الجماهير مغادرته ، ولكن الفراق كان حتميا .
إذن فإن الفعل الثقافي الملتصق بثقافة الناس ومخاطبتهم بذات اللسان له فعل السحر بل هو أقوى من جميع الأكاديميات بحساب واقع هذا المشهد الحي ، وتعزيز ثقافة السلام يجب أن يمر عبر الفنون بأنواعها ، فقد بذل شباب الحجيرات مالهم الجزيل وهم يرمون بالبنكنوت ورقة ورقة على رأس الفنانة يسرية الغالي وهي تغني لهم الأغنيات الوطنية والعاطفية بفرقتها الموسيقية المدهشة ولعل جل سكان تلك الأصقاع لم يشاهدوا آلة موسيقية عن قرب على الإطلاق إلا في ذلك اليوم .
فإن شعار وزارة الثقافة السابقة ( الثقافة تقود الحياة ) كنت أظنه شعارا للإستهلاك السياسي والكسب الرخيص ولكني أيقنت أنه حقيقة واقعة وتحتاج الى المال والعقول والوطنية دون إنتماء سياسي ، فقد برع الكوميديان الدعيتر الراحل ورفاقة في الدعوة والتدريب والموسيقى والغناء وهم يطوفون أرجاء السودان من أجل وطن يعشق الإبداع الى حد الجنون لتسكت لعلعة الرصاص الى الأبد وهذه المشاهدات نسلمها ( صرة في خيط ) للأستاذ خالد الإعيسر وزير الثقافة والإعلام الإتحادي والى القائمين على مشروع رتق النسيج الاجتماعي قبله رغم خفوت ضوئه مؤخرا ۔
خروج أخير
رحم الله الفنان المسرحي مختار بخيت الدعيتر وأسكنه فسيح جناتةمع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا انا لله وانا اليه راجعون ۔

