
كان الأستاذ الجامعي في الوجدان الاجتماعي السوداني مثالًا للإنسان الذي يعيش بوقار العلم وهدوء الكرامة. لم يكن من أصحاب الثراء، لكنه لم يكن يومًا في صفوف العاجزين عن أداء واجباتهم الدينية والاجتماعية. كان دخله يكفي بالكاد، لكنه يكفي. وكان يؤدي زكاة الفطر عن نفسه وأسرته في نهاية شهر رمضان باعتبارها فرضا” لا يحتاج إلى تفكير طويل ولا حسابات معقدة.
لكن الزمن تغيّر وتغيرت معه معادلات الحياة. فأصبح السؤال الذي يواجه كثيرا” من أساتذة الجامعات اليوم سؤالًا موجعا”. هل يستطيع الأستاذ الجامعي أصلا” أن يخرج زكاة الفطر هذا العام.
لقد تآكلت الرواتب حتى فقدت معناها الحقيقي. وتضاعفت تكاليف الحياة إلى حدود غير محتملة. وغابت منحة العيد التي كانت تمثل سندا” ولو بسيطا” في هذه الأيام المباركة. ثم جاءت الزيادات التي شملت قطاعات العمل في البر والبحر لكنها توقفت عند أبواب الجامعات وكأن الأستاذ الجامعي خارج حسابات العدالة الوظيفية أو خارج دائرة الاهتمام.
وهنا تظهر المفارقة التي يصعب على العقل تقبلها. فالأستاذ الجامعي الذي يُفترض أن يكون أحد رموز الطبقة المتعلمة المستقرة أصبح اليوم يقف في مواجهة ضيق معيشي لا يليق بمكانته ولا برسالته. وأصبح ذهنه موزعًا بين قاعة المحاضرة وهموم السوق وأسعار السلع الأساسية.
لم يكن هذا هو الدور الذي خُلق من أجله الأستاذ الجامعي. فالمجتمع حين يرسل أبناءه إلى الجامعات لا يرسلهم فقط لتلقي المعلومات بل ليتشكل وعيهم على يد أساتذة متفرغين للفكر والبحث والإبداع. لكن كيف يمكن للأستاذ أن يؤدي هذا الدور وهو مثقل بقلق المعيشة اليومية.
إن الجامعة لا تقوم بجدرانها ولا بمكاتبها الإدارية. الجامعة تقوم أولا” بالأستاذ. فإذا ضاق حال الأستاذ ضاق أفق المؤسسة كلها. وإذا اهتزت مكانته المعيشية اهتزت معها هيبة العلم في المجتمع.
وزكاة الفطر في معناها العميق ليست مجرد صدقة موسمية. إنها علامة على التوازن الأخلاقي داخل المجتمع. علامة على أن القادرين ما زالوا قادرين على مد يد العون للفقراء والمساكين. لكنها تصبح إشارة مقلقة حين يجد الأستاذ الجامعي نفسه عاجزا” عن أدائها بسبب تآكل الدخل وغياب العدالة في توزيع الامتيازات.
القضية هنا ليست قضية راتب فقط. إنها قضية كرامة مهنة. وقضية مستقبل تعليم. وقضية مجتمع يريد أن يحافظ على احترامه للعلم وأهله. لأن الدولة التي تضعف فيها مكانة الأستاذ الجامعي لا تضعف فيها الجامعات فقط بل يضعف فيها أساس البناء المعرفي كله.
إن إنصاف الأستاذ الجامعي لم يعد مطلبا” نقابيا” محدودا”. بل أصبح ضرورة وطنية وأخلاقية. ضرورة تبدأ بالاعتراف بحجم الأزمة التي يعيشها هذا القطاع الحيوي. وتمتد إلى مراجعة السياسات التي همشت التعليم العالي لسنوات طويلة. وتنتهي بإعادة الاعتبار لمكانة الأستاذ الجامعي في سلم الأولويات.
فالأمم التي تكرم علمائها تبني مستقبلها بثقة. أما الأمم التي تترك أساتذتها يصارعون ضيق العيش حتى يعجزوا عن إخراج زكاة الفطر فإنها تضعف ببطء وهي لا تشعر.



