الأخبار المحلية

مؤتمر برلين… وكشف الأقنعة

مرفأ الكلمات عثمان عولي

ليس كل ما يُعقد من مؤتمرات يُراد به الحل، ولا كل من يرفع شعارات المعارضة يسعى بالضرورة إلى إنصاف الشعوب. فالمشهد المرتبط بمؤتمر برلين المرتقب يكشف—بوضوح لا لبس فيه—أننا أمام محاولة جديدة لإعادة تدوير وجوهٍ سقطت سياسياً، وفشلت ميدانياً، وتبحث اليوم عن موطئ قدم عبر منصات الخارج بعد أن لفظها الداخل.
لقد راهنت بعض الأطراف، في وقتٍ سابق، على الصعود إلى السلطة عبر فوضى السلاح، وعلى أكتاف المليشيات، وظنت أن الواقع يمكن أن يُفرض بالقوة، وأن الدولة يمكن أن تُختزل في تحالفاتٍ هشة ومشاريع مؤقتة. لكن تلك الرهانات انهارت تباعاً، وسقطت معها كل محاولات القفز على إرادة الشعب.
واليوم، تعود ذات الوجوه، ولكن بأقنعة جديدة. تتحدث بلسان المعارضة، وترتدي عباءة المظلومية، وتحاول إعادة تقديم نفسها كبديلٍ سياسي، متناسية—أو متجاهلة—أن الذاكرة السودانية ليست قصيرة، وأن تفاصيل المشهد لا تزال حاضرة في وجدان الناس.
الشعب السوداني، الذي دفع كلفة باهظة من أمنه واستقراره، لم يعد يقبل بسهولة إعادة إنتاج الأزمات بذات الأدوات. هو يدرك جيداً من وقف مع الدولة، ومن راهن على تفكيكها، ومن اختار الاصطفاف مع الفوضى تحت أي مبرر. ولذلك، فإن محاولات التجميل السياسي لن تغيّر من الحقائق شيئاً، ولن تمنح شرعيةً لمن فقدها على الأرض.
مؤتمر برلين، في هذا السياق، لا يبدو مجرد منصة للنقاش، بقدر ما يثير تساؤلات حول طبيعة الأطراف التي يُراد تقديمها، والأدوار التي يُسعى لإسنادها. فحين يُفتح المجال لمن فشلوا في الداخل ليُعاد تسويقهم خارجياً، فإن ذلك لا يخدم الاستقرار، بل يعمّق الفجوة بين الواقع وما يُراد فرضه عليه.
القضية ليست في المعارضة كفكرة، فهي ركيزة من ركائز أي نظام سياسي صحي، ولكن الإشكال يكمن في توظيفها كقناع مرحلي، يُستخدم عند الحاجة، ويُخلع عند تبدل المصالح. هنا تفقد السياسة معناها، ويتحول الفعل العام إلى مجرد أدوات للمناورة.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى وجوهٍ مُعاد تدويرها، ولا إلى مشاريع تُصاغ خارج حدوده، بل يحتاج إلى وضوح، ومصداقية، وإرادة وطنية لا تساوم على ثوابته. يحتاج إلى من يتحمل المسؤولية، لا من يبدّل مواقفه وفق اتجاه الريح.
رسالة الواقع واضحة:
لا شرعية لمن فقد ثقة شعبه،
ولا مستقبل لمن يراهن على الخارج بديلاً عن الداخل،
ولا مكان لأقنعةٍ سقطت تحت اختبار الحقيقة.
ختاماً،
ما قد يُكشف في قاعات المؤتمرات، سبق أن كُشف في ميادين الواقع. والسودان—بشعبه ووعيه—أقدر من أن يُخدع مرةً أخرى بذات الوجوه، مهما تعددت الأقنعة.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى