منبرُ الشرطةِ الدوري… حين تصبح الحقيقة أكثر حضورا من الشائعة..
بقلم عقيد شرطة. د. ايوب عوض الله

في زمنٍ تتزاحمُ فيه الأخبار، وتتسابقُ فيه المنصاتُ نحو الإثارة قبل التثبت، برزَ “منبر الشرطة الدوري” كواحدٍ من أنضجِ الأفكار الإعلامية التي صنعت جسراً متيناً بين المؤسسة الشرطية ووسائل الإعلام، بل وبين الشرطة والمجتمع بأسره.
لم يكن المنبرُ مجردَ لقاءٍ بروتوكولي عابر، أو منصةٍ لتلاوة البيانات الجامدة، وإنما تحوّل مع الأيام إلى نافذةٍ مفتوحةٍ على الحقيقة، تُدار بعقلٍ مهنيٍّ راجح، ولسانٍ مسؤول، ورؤيةٍ تدرك أن معركة الوعي لا تقلُّ أهميةً عن معركة الميدان.
لقد نجح القائمون على إعلام الشرطة في تحويل هذا المنبر إلى مساحةٍ للتنوير لا للتبرير، وإلى مائدةٍ للحقيقة لا ساحةً للمراوغة. فحين تتشابك الوقائع، وتتعدد الروايات، يأتي المنبر حاملاً “إيضاحاتٍ ساطعة… وإضاءاتٍ قاطعة”، تضعُ النقاطَ فوق الحروف، وتعيدُ ترتيبَ المشهد بعيدًا عن الضجيج والتأويلات.
ومن أجمل ما يُحسب لهذه التجربة أنها كسرت الحواجز التقليدية بين رجل الشرطة والإعلامي، وأرست مفهوماً حديثاً يقوم على الشراكة في خدمة الوطن، لا على التوجس المتبادل. فالإعلام حين يجد المعلومة الدقيقة في وقتها، يصبح شريكًا في صناعة الاستقرار، لا مجرد ناقلٍ للأحداث. والشرطة حين تفتح أبوابها للرأي العام بشفافيةٍ وثقة، فإنها تعزز جسور الاحترام والمصداقية بينها وبين المواطنين.
ولأنَّ الكلمةَ الصادقةَ أقوى من ألف شائعة، فقد استطاع المنبر أن يُطفئ كثيراً من الحرائق الإعلامية قبل اشتعالها، وأن يُحصّن الرأي العام بالحقائق المجردة، لا بردود الأفعال المرتبكة. وهي معادلةٌ ذكية تؤكد أن المؤسسات الكبرى لا تخشى الضوء، بل تصنعه.
والشكرُ يمتدُّ موصولاً لرئاسة الشرطة التي رعت هذه المبادرة بعينٍ واعيةٍ وبصيرةٍ تدرك قيمة الإعلام الوطني المسؤول، فوفّرت للمنبر أسباب النجاح، ومنحته الثقة والمساحة ليؤدي رسالته بمهنيةٍ واقتدار. فالمؤسسات العظيمة تُعرف بقدرتها على صناعة منصات الحوار والتنوير، لا بالاكتفاء بجدران الصمت.
التحيةُ إذن للسادة في إعلام الشرطة، الذين أدركوا أن الإعلام الأمني لم يعد ترفًا تكميليًا، بل صار جزءًا أصيلًا من صناعة الأمن نفسه. والتحيةُ لهم وهم يرسخون عبر هذا المنبر ثقافةَ التواصل، ويؤكدون أن الدولة القوية ليست تلك التي تُخفي صوتها، بل التي تُحسن مخاطبة شعبها بثقةٍ ووضوح.
سيظل “منبر الشرطة الدوري” تجربة تستحق الإشادة، لأنه لم يكتفِ بنقل الأخبار، وإنما أسهم في بناء الوعي، وترميم الثقة، وتثبيت حقيقة مهمة: أن الوطن حين يتحدث بلسان الحقيقة… بصمت الضجيج.


