الأخبار المحلية

من أم تكال إلى بورتسودان. أسرة جعلت من العطاء سيرة ومن التكافل رسالة

البروفيسور بله احمد بلال

لم تكن هجرة اللورد أحمد بِلَل محمد علي والزعيم محمد بِلَّه موسى من قرية أم تكال بولاية النيل الأبيض إلى بورتسودان مجرد رحلة بحث عن الرزق والاستقرار. بل تحولت تجربتهما في مدينة بورتسودان. بوابة السودان الشرقية. إلى حكاية إنسانية عنوانها التكافل. ومضمونها الوقوف إلى جانب الآخرين في أوقات الحاجة.
فقد ارتبط اسما الرجلين باستقبال المهاجرين والزائرين إلى بيت الله وعابري السبيل من مختلف أنحاء السودان. حتى أصبح بيتهما محطة يقصدها القادمون التماسا” للضيافة والرعاية والمساندة. ولم تكن هذه المبادرات قائمة على معرفة سابقة أو انتماء قبلي. بل استندت إلى قيم الضيافة والمروءة والاسناد. التي تشكل جزءر” أصيلا” من النسيج الاجتماعي السوداني.
غير أن الحديث عن هذه المسيرة لا يكتمل دون الوقوف عند الأستاذة إيمان. زوجة اللورد أحمد بِلَل. التي تستحق أن تحضر في هذه الحكاية بوصفها شريكة” في الحياة ورفيقة” لمسيرة ارتبطت بالعطاء وخدمة الآخرين. فالمبادرات الإنسانية التي تنطلق من البيوت لا تقوم على جهود فردية فحسب. وإنما تحتاج إلى بيئة أسرية متعاونة. وإلى استعداد لتحمل أعباء الضيافة ومشاركة الآخرين ظروفهم. ولا سيما حين تتزايد أعداد القادمين وتتعقد احتياجاتهم.
ومن هنا. فإن الإشارة إلى الأستاذة إيمان ليست إضافة عابرة. بل تقدير لدور المرأة في مساندة العمل الإنساني والاجتماعي. وإبراز لمساهمتها في ترسيخ قيم التكافل داخل الأسرة والمجتمع. ويصدق في هذا المقام القول الشائع «وراء كل عظيم امرأة». لا باعتباره عبارة للإطراء وحده. بل تذكيرا” بأهمية الشراكة الأسرية في مسيرة النجاح والعطاء. وبأن الأثر الطيب كثيرا” ما تصنعه جهود تتكامل في صمت بعيدا” عن الأضواء.
ومع اندلاع الحرب في السودان. اكتسبت هذه المواقف أهمية أكبر. بعدما أصبحت بورتسودان وجهة للنازحين الباحثين عن الأمان. وللمواطنين القادمين من الولايات لإنجاز معاملاتهم ومتابعة شؤونهم لدى المؤسسات الحكومية التي انتقلت إليها خلال تلك الفترة. وقد وصل كثيرون إلى المدينة في ظروف استثنائية. بين من اضطر إلى ترك منزله بسبب القتال. ومن جاء لإنجاز معاملة رسمية تتطلب أياما” من الانتظار والتنقل. وسط أعباء المعيشة وتكاليف الإقامة.
في هذه الظروف. واصل أحمد بِلَل ومحمد بِلَّه استقبال القادمين وتقديم ما استطاعا من مساعدة. وتبرز قيمة هذه المواقف في أنها استجابت لاحتياجات ملموسة فرضتها الحرب. حيث يمكن للمأوى والطعام والمساندة أن تخفف عن النازحين والزائرين مشقة البعد عن ديارهم. وأن تعينهم على تدبير شؤونهم في مدينة قد لا تتوافر لهم فيها روابط اجتماعية أو إمكانات كافية.
وتكشف هذه التجربة عن أهمية المبادرات المجتمعية في تخفيف آثار الأزمات. إلى جانب الجهود الرسمية والمؤسسية. فالتكافل لا يقتصر على تقديم المساعدة المادية. بل يمتد إلى توفير الشعور بالأمان. وتعزيز الثقة بين الناس. وصون الروابط الاجتماعية التي تحتاج إليها المجتمعات أكثر من أي وقت آخر خلال المحن.
كما تعكس سيرة الرجلين امتداد قيم المنشأ إلى بيئة الهجرة. فقد غادرا أم تكال بحثا” عن الرزق. لكنهما حملا معهما قيم الشهامة والتعاون. ووسّعا دائرة علاقاتهما في بورتسودان لتشمل أشخاصا” من مناطق وقبائل متعددة. وهكذا تجاوزت تجربتهما حدود الكفاح الشخصي لتصبح مثالا” على ارتباط الاستقرار بالمسؤولية الاجتماعية. وعلى قدرة المبادرات الفردية والأسرية على إحداث أثر ملموس في حياة الآخرين.
إن توثيق هذه التجربة يتجاوز الإشادة بأشخاص بعينهم إلى الاحتفاء بقيم تستحق أن تظل حاضرة في الذاكرة العامة. فالمجتمع لا يستند في أوقات الشدة إلى المؤسسات وحدها. بل إلى مبادرات أفراده. وإلى أسر تفتح أبوابها. وأشخاص يضعون إمكاناتهم في خدمة من يحتاجون إلى العون.
ومن أم تكال إلى بورتسودان. تظل سيرة أحمد بِلَل محمد علي ومحمد بِلَّه موسى. مع التقدير المستحق للأستاذة إيمان. حكاية عن الكفاح الذي لم ينفصل عن المسؤولية. وعن الضيافة التي تجاوزت حدود المجاملة إلى مساندة الناس في ظروف صعبة. وهي سيرة تؤكد أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحققه لنفسه وحده. بل بما يتركه من أثر في حياة الآخرين. وبما يشارك في صنعه من خير يبقى بعد انقضاء المواقف.
فالرجال تُعرف معادنهم في الشدائد. وتُقاس المروءة بما تصنعه من أثر. لا بما تحمله من شعارات. وحين يصبح العطاء سلوكا”. والتكافل ممارسة. والوقوف إلى جانب المحتاج مسؤولية. يغدو طيب الذكر إرثا” تتناقله الأجيال. وتبقى المواقف الإنسانية أصدق شهادة على أصالة أصحابها.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى