
في تمام الساعة التاسعة من صباح اليوم، السبت 8 أغسطس 2026م، تنطلق امتحانات جامعة السودان في مختلف أنحاء البلاد، بالتزامن مع انعقادها في عدد من الدول العربية والأفريقية، تشمل جمهورية مصر العربية، والمملكة العربية السعودية، ودولة قطر، وسلطنة عُمان، وجمهورية تشاد.
غير أن هذا الموعد الأكاديمي يتجاوز كونه بدايةً لامتحانات فصل دراسي؛ فهو مشهد تختصر فيه الجامعة معنى الاستمرار، ويؤكد فيه التعليم أنه قادر على أن يشق طريقه وسط الظروف الصعبة، وأن يظل المستقبل مفتوحاً أمام الطلاب مهما ضاقت مسالك الحاضر.
فالساعة التاسعة لم تأتِ وحدها. سبقها عمل متواصل واستعدادات امتدت لأيام وتهيئة للبيئات الامتحانية، ومراجعة للتفاصيل ومعالجة لما يمكن معالجته وتذليل للعقبات التي قد تحول دون وصول الطلاب إلى هذا الاستحقاق الأكاديمي في موعده.
وخلف هذا المشهد جهود لا تراها العين كلها، لكنها حاضرة في كل تفاصيله. أساتذة أدوا أمانة العلم، وإداريون وعاملون واصلوا الليل بالنهار ومسؤولون تابعوا الاستعدادات وأسر ساندت أبناءها وطلاب تمسكوا بحلمهم وأصروا على مواصلة الطريق رغم صعوبة المسالك.
وهنا تبرز حقيقة لا تحتاج إلى كثير من البرهان. التعليم ليس ترفا” تؤجله المجتمعات حين تشتد الأزمات، بل هو أحد أهم السبل التي تستطيع بها أن تتجاوز أزماتها وتصنع مستقبلها.
ولعل أكثر ما يمنح هذا المشهد دلالته أن بين الذين يحملون راية العلم اليوم من جاءوا من أرض المعرفة ووضعوا السلاح جانبا”، وأمسكوا بالقلم، إيمانا” بأن المعركة الأهم التي ينبغي أن ينتصر فيها الوطن هي معركة الوعي، وأن البناء لا يبدأ من الحجر وإنما يبدأ من الإنسان.
حين يوضع السلاح جانبا” ويُرفع القلم، لا يكون الأمر مجرد انتقال من أداة إلى أخرى وإنما انتقال من منطق الصراع إلى منطق البناء ومن هدم ما هو قائم إلى صناعة ما ينبغي أن يكون.
القلم لا يطلق رصاصة، لكنه يستطيع أن يفتح نافذة. ولا يهدم جدارا”، لكنه يستطيع أن يبني جسرا”. ولا يفرض السلام بالقوة، لكنه يستطيع أن يزرع في العقول ما يجعل السلام خيارا” راسخا” في الوجدان.
وهنا تكمن القيمة الكبرى للتعليم في الأوقات الصعبة.
فالتنمية المستدامة لا تُبنى بالموارد وحدها ولا تُقاس بما يرتفع من مباني أو يمتد من طرق وإنما تبدأ من إنسان متعلم وواعي، قادر على التفكير، ومؤهل لتحويل المعرفة إلى عمل والعمل إلى إنتاج والإنتاج إلى تنمية يستفيد منها المجتمع، وتمتد آثارها عبر الأجيال.
ومن هذه الزاوية، فإن الجامعة ليست قاعات للدرس ولا كتبا” ومناهج وامتحانات فحسب وإنما هي مؤسسة لصناعة الإنسان، ومختبر للأفكار وفضاء لتكوين العقول التي ستتولى غدا” مسؤولية المجتمع والدولة.
ومن هنا تصبح استمرارية التعليم في السودان، في ظل الظروف الراهنة، فعلا” من أفعال الصمود الوطني ورسالة واضحة بأن المستقبل لا ينبغي أن يُترك رهينة للحاضر مهما كان قاسياً.
كما أن امتداد امتحانات الجامعة إلى عدد من الدول العربية وإلى جمهورية تشاد يمنح الحدث بعدا” إقليميا” لافتا”. فالمعرفة لا تعترف بالحدود، والتعليم يستطيع أن يجعل من الجامعة جسرا” يصل بين الشعوب، ومن الطالب نقطة التقاء بين ثقافات وتجارب وبيئات متعددة.
وفي يوم الامتحان، لا ينبغي أن نرى الطالب وهو يدخل قاعة الامتحان بعين ترى ورقة الأسئلة وحدها، بل بعين أخرى ترى رحلة طويلة من الصبر والاجتهاد، وحقلا” من الأحلام ينتظر الحصاد.
فكل إجابة يكتبها الطالب هي خلاصة ساعات من الدراسة، وكل ورقة امتحان صفحة من قصة أكبر، عنوانها الأمل في الغد، والإيمان بأن المعرفة قادرة على تغيير حياة الإنسان، وأن التعليم يستطيع أن يفتح أبوابا” بدت في لحظة ما موصدة.
ولهذا فإن التحية في هذا اليوم لا تذهب إلى الطلاب وحدهم، وإن كانوا في قلب المشهد، بل تمتد إلى كل يد أسهمت في أن يصل هذا اليوم إلى موعده.
إلى البروفيسور عبدالخالق فضل مدير الجامعة على رعايته ومتابعته، وإلى الدكتور هشام، وكيل الجامعة على جهوده في توفير التمويل اللازم، وإلى الدكتورة شادية، مديرة الفروع على إشرافها على الاستعدادات، وإلى مديري الفروع الذين عملوا على تهيئة البيئات المناسبة، وإلى الأساتذة الذين حملوا أمانة العلم، والموظفين الذين سهروا على التنظيم، والعاملين الذين هيأوا المكان، والأسر التي وقفت خلف أبنائها، وكل من أدرك أن المحافظة على مسيرة التعليم هي محافظة على أحد أهم أعمدة المستقبل.
إن الساعة التاسعة صباحا” ليست مجرد ساعة تبدأ عندها جلسة امتحان وإنما لحظة رمزية يعلن فيها القلم حضوره وتعلن المعرفة قدرتها على الاستمرار ويعلن الإنسان السوداني أنه مهما ضاقت به المسالك، فإنه لا يزال قادرا” على أن يفتح للغد بابا”.
ومن السودان إلى مصر والسعودية وقطر وعُمان وتشاد، تمضي الأقلام في موعد واحد، وتحمل الأوراق أحلاما” متعددة، لكن المعنى واحد.
أن العلم يستطيع أن يعبر الحدود وأن التعليم يمكن أن يكون جسرا”للسلام، وأن بناء الإنسان هو الطريق الأكثر أمنا” نحو التنمية المستدامة.
فما أحوج السودان اليوم إلى أن يضع معركة المعرفة في مقدمة معاركه وأن يجعل من جامعاته منارات لا تنطفئ ومن القلم أداة للبناء، ومن التعليم مشروعا” وطنيا” عابرا”للأجيال.
إن الأمم لا تنهض بكثرة ما تملك من موارد فحسب وإنما بقدرتها على تحويل الموارد إلى معرفة والمعرفة إلى قدرات والقدرات إلى إنجازات. ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي الذي لا يخسر هو الاستثمار في الإنسان، لأنه الاستثمار الذي تتضاعف ثماره كلما انتقل العلم من عقل إلى عقل ومن جيل إلى جيل.
ولعل أجمل ما يختصر هذا المشهد أن نقول:
إن الأوطان لا تنهض حين تكثر فيها الأسلحة وإنما حين تكثر فيها الأقلام، ولا تستدام تنميتها حين تتسع مبانيها فقط، وإنما حين تتسع عقول أبنائها.
وفي اليوم الذي تُفتح فيه أوراق الامتحان، تُفتح في الحقيقة صفحة أخرى من صفحات المستقبل.
فمن السلاح إلى القلم ومن الخوف إلى الأمل ومن الصراع إلى البناء، يمضي الإنسان السوداني في طريق طويل، لكنه الطريق الذي يستحق أن يُسلك.
بالعلم نبني الإنسان، وبالإنسان نبني الوطن، وبالمعرفة نصنع المستقبل.


