الأخبار المحلية

من ينظم مهن الانتاج الحيواني في السودان

د. عمار الباقر

لا يتناطح عنزان في أن مهن الإنتاج الحيواني تُعتبر واحدة من ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلد يزخر بثروته الحيوانية المتنوعة، ومساحاته الشاسعة من المراعي الطبيعية، وتعدد مناخاته. إلا أنه، ولكي تضطلع هذه المهن بدورها الطبيعي في دعم التنمية، لا بد لها من التنسيق الداخلي، وتحديد الوصف الوظيفي والواجبات والاختصاصات فيما بين مختلف التخصصات داخل مهن الإنتاج الحيواني، إلى جانب رسم الحدود الوظيفية بين مهن الإنتاج الحيواني وبقية المهن التي تلعب دوراً مهماً في الحفاظ على صحة وسلامة واستدامة الثروة الحيوانية للبلاد، وفق رؤية تنموية شاملة.
هنا تبرز أهمية وجود جسم تنظيمي مهني يعمل على تنظيم مهن الإنتاج الحيواني، ويضمن التنسيق والتكامل فيما بينها. ومن ينظر إلى الأجسام المهنية الأقرب إلى الاضطلاع بهذه المهمة، يجد أن هناك جسمين مهنيين هما الأقرب لهذه المهمة، وفقاً للإطار القانوني المنظم لعمل المهن في السودان، وهما: المجلس البيطري السوداني والمجلس الزراعي السوداني .
ومن خلال مراجعة قانون المجلس البيطري السوداني وقراراته الأخيرة، يتضح أن نطاق اختصاصه الحالي يتركز بصورة أساسية على تنظيم المهن البيطرية، الأمر الذي يحد من قدرته على تمثيل وتنظيم جميع تخصصات الإنتاج الحيواني تمثيلاً مباشراً.
أما قانون المجلس الزراعي السوداني، تعديل سنة 2004م، فعلى الرغم من أنه قد عرّف المجالات الزراعية في المادة (1) من القانون بأنها: «الدراسات والبحوث والإرشاد والتدريب والاستشارات وبيوت الخبرة في كل تخصصات العلوم الزراعية والبيئية والتقنيات المرتبطة بالإنتاج الزراعي النباتي والحيواني أو أي مجال آخر يقرره المجلس»، مما يُستنبط منه أن المجلس يعتبر الإنتاج الحيواني أحد أشكال الإنتاج الزراعي، إلا أن من ينظر إلى المادة (3) في الفصل الثاني من القانون، والخاصة بإنشاء المجلس ومقره ومسؤوليته، يجد أن جميع المؤسسات الخاصة بمهن الإنتاج الحيواني، من كليات واتحادات ونقابات وجمعيات علمية، غير ممثلة ضمن تكوين المجلس الزراعي.
كذلك نجد أن المادة (13)، من الفصل نفسه، والمتعلقة باختصاصات المجلس وأغراضه، لم تنص صراحة على اختصاصه بتنظيم مهن الإنتاج الحيواني، وإن كان يمكن فهم ذلك ضمناً من الفقرة (ي) من المادة، التي تنص على «تحديد المجالات الزراعية وفقاً للوائح»، مقرونةً مع المادة (1) من القانون. إلا أن هذه الوضعية تترك مسألة تنظيم مهن الإنتاج الحيواني للوائح، بينما المطلوب هو منح هذا التنظيم قوة القانون.
لهذا السبب ، أرى أن المجلس الزراعي، في صورته القانونية الحالية، قد لا يكون الإطار الأنسب لتنظيم مهن الإنتاج الحيواني بصورة مستقلة وفاعلة ، ما لم تتم فيه تعديلات جوهرية في قانون المجلس الزراعي السوداني على مستوى التعريف والتكوين والاختصاصات والسلطات. وفي تقديري المتواضع، فإن الطريق الأسلم هو إنشاء مجلس مهني خاص بتنظيم مهن الإنتاج الحيواني، عبر قانون يمنح المجلس الصفة القانونية للاضطلاع بهذا الغرض. خصوصاً أن لدينا نماذج في عدد من دول العالم قامت بإنشاء أجسام مهنية لتنظيم مهن الإنتاج الحيواني.
من أبرز النماذج المباشرة، نجد نيجيريا، حيث يوجد إطار تشريعي خاص يمنح المعهد النيجيري لعلوم الحيوان (Nigerian Institute of Animal Science – NIAS)، والذي أُنشئ بقانون خاص (Nigerian Institute of Animal Science Act) منحه صلاحيات تسجيل وتنظيم ومراقبة ممارسة المهنة ووضع مدونة للسلوك المهني.
كذلك نجد أن كينيا تسير في المسار ذاته، حيث تعمل الحكومة الكينية على مشروع قانون باسم «المهنيين والفنيين في الإنتاج الحيواني»، يضع إطاراً لتدريب وتسجيل وترخيص العاملين في الإنتاج الحيواني، وتنظيم معايير المهنة وممارستها، على أن يتولى مجلس مستحدث الإشراف العام على التدريب والتسجيل والترخيص. وحسب آخر ما لديّ من معلومات، لا يزال المشروع قيد المداولة ولم يُسنّ نهائياً بعد.
أيضاً يوجد نموذج أخر في نيبال، التي أصدرت قانون المهنيين في مجال صحة الحيوان وخدمات الثروة الحيوانية لسنة 2022 (Animal Health and Livestock Service Professionals Act 2022)، والذي ينظم تسجيل الفئات المهنية المتعددة العاملة في مهن الإنتاج الحيواني. وهذا النموذج مهم للسودان؛ لأنه يعالج تحديداً مشكلة التداخل بين الطبيب البيطري، واختصاصي الإنتاج الحيواني، وفني الثروة الحيوانية.
اما جنوب أفريقيا، فتنظم المهنة عبر المجلس الجنوب أفريقي للمهن العلمية الطبيعية (SACNASP)، بموجب قانون المهن العلمية الطبيعية رقم 27 لسنة 2003 (Natural Scientific Professions Act, 2003).
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، يوجد جسم غير حكومي هو السجل الأمريكي لعلماء الإنتاج الحيواني المحترفين (ARPAS)، وهو جسم مهني يمنح اعتماداً عبر امتحان، مع الالتزام بمدونة أخلاقية والتعليم المستمر. وهو جسم مرتبط بخمس جمعيات علمية، منها جمعية علوم الألبان الأمريكية وجمعية علوم الحيوان الأمريكية، ويمنح تصديقاً مهنياً اختيارياً لا يمتلك قوة القانون، إلا أنه يتمتع بقوة واعتراف مهني واسع. كما نجد وضعاً مشابهاً في حالة الجمعية البريطانية لعلوم الحيوان (BSAS)، التي طورت نظاماً معتمداً لأخصائيي علوم الحيوان (Chartered Animal Scientist – CAnimSci) لتصنيف الخبراء والمستشارين المعتمدين.
بناءً على ما سبق، فإن إنشاء جسم تنظيمي قانوني لتنظيم مهن الإنتاج الحيواني لا يعالج فقط مشكلة مهنية على المستوى الوطني، بل يمثل أيضاً توجهاً عاماً في الدول التي تلعب الثروة الحيوانية دوراً مؤثراً في اقتصادياتها، مثل نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا. والسودان من الدول التي ينبغي أن تلعب دوراً قيادياً في الدفع بمسيرة هذا التوجه، بحكم وضعه كواحد من أكبر دول العالم من حيث أعداد الثروة الحيوانية، وهو ما يؤهله لقيادة هذا المسار.
المراجع:
1. رابط قانون المعهد النيجيري لعلوم الحيوان لسنة
https://nias.gov.ng/wp-content/uploads/2021/08/NIAS-Principal-ACT_compressed1.pdf?utm_source=chatgpt.com
2. رابط قانون المهنيين في مجال صحة الحيوان وخدمات الثروة الحيوانية لسنة 2022 في نيبال
https://lawcommission.gov.np/content/12764/12764-the-council-of-animal-health-a/
3. رابط قانون المهن العلمية الطبيعية رقم 27 لسنة 2003 في جنوب افريقيا
https://lawlibrary.org.za/akn/za/act/2003/27/eng%402003-11-28?utm_source=chatgpt.com

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى