نداء أهلي من طبيب بيطري
شنو الحصل يا أهلي المسيرية؟ بين ماضٍ من القيم وواقعٍ يطرح الأسئلة يا أهلي المسيرية…

ليس هذا الذي نراه اليوم هو الوجه الذي عرفناه، ولا هذه الأفعال تشبه تاريخكم الذي حُفظ في صدور الرجال قبل أن يُكتب في الكتب. السؤال الذي يوجع القلب قبل العقل: شنو الحصل؟
لقد عرفنا دار المسيرية دار أمانٍ وصدق، دارًا إذا ضاعت فيها بهيمة عادت إلى صاحبها بعد حين، وربما عادت ومعها نسلها، تحمل علامة “العيبة” شاهدة على أمانة من حفظها لا على ملكيته لها. كان الضمير حيًا، والإيمان حاضرًا، وكان الناس يخافون من الحرام أكثر من خوفهم من الفقر. كانوا يقولون: “المال الحرام بهلك القطيع”، فتكون هذه الكلمة قانونًا لا يُكتب لكنه يُحترم.
أنا شخصيًا عشت تلك القيم واقعًا، لا حكايات. حين كنت طالبًا في الفولة، قادمًا من أم بنين، رأيت مجتمعًا متماسكًا، تسوده المروءة وتُحكمه الأخلاق. ثم حين عملت في وزارة الثروة الحيوانية، وطُفت أرجاء الولاية (كنت منسقا للمشروع الافريقي لمكافحة الأوبئة)من الميرم إلى أقصى الشرق، لم أشعر يومًا بخوف، رغم ما نحمله من أموال ولقاحات (ابوزقاله والحمى الفحميه وابودميعه وطاعون المجترات الصغيرة والتسمم الدموي ). كنا نسافر ليلًا ونهارًا، فوجدنا الأمان في صدور الناس قبل الطرق.
بل أكثر من ذلك، إذا تعطلت بنا العربيه -والتي كان يقودها السائق المميز حموده ادم محمد أو محمد الصافي أو بخيت حامد المهدي (قله)-في القيزان أو القردود، جاءنا أهل البوادي قبل أن نطلب، يعينوننا ويدفعون عنا المشقة، ويكرموننا بكرمٍ لا يُشترى. كانوا يقولون لنا: “عندكم خيارين: تنزلوا تأكلوا الكرامة، أو نرفع ليكم خروف”. فنأخذ الخروف من إصرارهم الشديد بالنزول، وطوالى يجيبوا لينا الشاي الصليقة والبركيب، وقلوبٌ مليئة بالود.
هذا هي المسيرية… أو هكذا كانوا.
أما اليوم، فإن الحديث عن النهب والسرقة، إن صحّ، فهو أمرٌ غريبٌ عن هذا المجتمع، ودخيلٌ عليه، لا يشبه تاريخه ولا أخلاقه. وهنا يجب أن نقف بصدق:
هل تغيّر الإنسان؟ أم تغيّرت الظروف؟
الحقيقة المُرّة أن المجتمعات لا تنحرف فجأة، بل تُدفع دفعًا. الحروب، والانفلات الأمني، وغياب الدولة، وتفكك المؤسسات، كلها عوامل تُضعف الضمير العام، وتفتح الباب أمام سلوكيات لم تكن مقبولة من قبل. ومع دخول عناصر غريبة، واختلاط الحابل بالنابل، يصبح من الصعب التمييز بين الأصيل والدخيل.
لكن رغم ذلك، لا يمكن أن نعمّم، ولا يجوز أن نختزل قبيلة عريقة في أفعال قلة. المسيرية أكبر من ذلك، وتاريخهم أنقى من أن يُلطّخ بسهولة. ففيهم من لا يزال يحفظ العهد، ويصون الأمانة، ويرفض الحرام كما كان يفعل الآباء والأجداد.
يا أهلي المسيرية
هذا نداء من القلب
ارجعوا إلى أنفسكم، إلى قيمكم، إلى ذلك الضمير الذي كان يحرس الحقوق دون شرطة أو قانون. أعيدوا إحياء تقاليدكم التي كانت مضرب المثل في السودان كله. لا تسمحوا للدخلاء أن يشوهوا صورتكم، ولا تتركوا الفوضى تسرق منكم هويتكم.
فالقبيلة التي كانت تُعيد المال بعد سنوات، قادرة اليوم أن تستعيد نفسها في أيام…
إذا أرادت.
حسبنا الله ونعم الوكيل.
د.محمود حامد علي



