الأخبار المحلية

هاني صلاح… أكثر من سفير

مرفأ الكلمات عثمان عولي

هناك دبلوماسيون تنتهي مهمتهم بانتهاء فترة عملهم، وهناك آخرون يتركون أثرًا يبقى في ذاكرة الشعوب قبل أن يُسجل في دفاتر وزارة الخارجية. ومن هذا الصنف يأتي السفير المصري لدى السودان، هاني صلاح، الذي اختتم مهمته الرسمية، لكنه ترك خلفه رصيدًا من العلاقات الإنسانية يصعب أن تطويه الأيام.

لم يكن هاني صلاح بالنسبة لكثير من السودانيين مجرد سفير يمثل بلاده، بل بدا في مواقفه أقرب إلى سفيرٍ للسودان في مصر، بقدر ما كان سفيرًا لمصر في السودان. فقد أدرك منذ اللحظة الأولى أن قوة الدبلوماسية لا تُقاس بعدد اللقاءات الرسمية، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الناس، والوقوف إلى جانبهم في أوقات الشدة.

خلال السنوات الماضية، واجهت العلاقات السودانية المصرية حملات متكررة من الشائعات ومحاولات التشويه، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، سعت إلى بث الكراهية وإثارة الشكوك بين شعبين جمعهما التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك. لكن تلك المحاولات كانت تصطدم دائمًا بواقع مختلف، يتمثل في استمرار التواصل الرسمي، وتنامي التعاون السياسي والاقتصادي، وترسيخ العلاقات الشعبية بين البلدين.

ولم تكن هذه العلاقات وليدة البيانات الرسمية، بل عززتها جهود رجال دبلوماسية عملوا بصمت، وفي مقدمتهم السفير هاني صلاح إلى جانب سفير السودان بالقاهرة الفريق أول مهندس عماد الدين عدوي، حيث أسهما في تقريب وجهات النظر، وتوسيع مساحات التعاون، وترسيخ جسور الثقة بين القيادتين والشعبين.

كما شهدت فترة عمله عددًا من المبادرات الإنسانية والاجتماعية التي استهدفت دعم السودانيين، ومنها رعاية مبادرات خيرية ورمضانية، ودعم برامج مجتمعية، والمشاركة في أنشطة جسدت روح الأخوة بين الشعبين. ولم تكن تلك المبادرات مجرد أعمال بروتوكولية، بل رسائل عملية تؤكد أن العلاقات الحقيقية تُبنى بالفعل قبل القول.

وفي المقابل، ظلت حملات التضليل تحاول صناعة واقع موازٍ، عبر تداول روايات وصور وقصص غير موثقة، والدعوة إلى مقاطعة المنتجات المصرية، والتحريض ضد حركة التجارة، وإثارة الشكوك حول التعاون الاقتصادي بين البلدين. ومهما اختلفت الآراء حول بعض القضايا، فإن نشر الأخبار غير المتحقق منها أو الصور المفبركة لا يخدم الحقيقة، بل يزيد من الاستقطاب ويضر بمصالح المواطنين على الجانبين.

إن العلاقة بين السودان ومصر أكبر من أن تهزها منشورات عابرة، وأعمق من أن تؤثر فيها حملات إلكترونية مؤقتة. فهي علاقة صنعتها قرون من التاريخ، ورسختها وحدة النيل، وتشابك المصالح، وروابط الدم والمصاهرة والثقافة.

واليوم، ونحن نودع السفير هاني صلاح في ختام مهمته بالسودان، فإننا نتمنى له التوفيق في محطته القادمة، وأن تبقى صلته بالسودان كما بقيت صلة السفير المصري الأسبق الشاذلي، الذي ظل حاضرًا في وجدان السودانيين حتى بعد انتهاء مهمته الرسمية.

فالوظائف الدبلوماسية تنتهي، أما المحبة الصادقة والاحترام الذي تصنعه المواقف النبيلة، فيبقيان شاهدين على أصحابها، ويكتبان أسماءهم في ذاكرة الشعوب قبل أن تكتبها الوثائق الرسمية.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى