
الجامعة مصنع العلماء ومختبر القيادات ومنبع الحضارة. وفي هذا الصرح المعرفي يقف عضو هيئة التدريس في موقع محوري لا يشبه أي موقع آخر. فهو صانع العقول ومربي الأجيال وحارس القيم العلمية داخل المؤسسة.
إن حضور الأستاذ الجامعي في قضايا جامعته ليس ترفا ولا أمرا ثانويا. بل هو واجب تمليه المسؤولية العلمية والضمير الأكاديمي. فالجامعة لا تبنى بالجدران ولا باللوائح وحدها. وإنما تبنى بالعقول الواعية والضمائر الحية التي تشارك في الرأي والتقويم والتصحيح.
تمر بعض المؤسسات الجامعية أحيانا بحالة من الصمت أو العزوف عن المشاركة في الشأن الجامعي. قد يكون ذلك بسبب الإحباط أو الخوف من التعقيدات الإدارية أو الشعور بأن الصوت الفردي لا يغير شيئا. لكن الحقيقة أن غياب صوت الأستاذ الجامعي يترك فراغا كبيرا في ميزان الحكمة داخل المؤسسة.
وقد يواجه بعض الأساتذة التهميش أو الإبعاد عن مواقع صنع القرار. وقد يحرم من المشاركة في اللجان التي ترسم الخارطة الإدارية والأكاديمية للمؤسسة. وقد تسود أحيانا إدارة الفرد الواحد الذي ينظر إلى موقعه وكأنه غنيمة خاصة لا مسؤولية عامة. غير أن كل ذلك لا ينبغي أن يمنع الأستاذ الجامعي من إبداء رأيه وتقديم رؤيته العلمية الصادقة.
فالكلمة المسؤولة ليست مرتبطة بمنصب إداري ولا بعضوية لجنة. وإنما مرتبطة بضمير حي وعقل واع يدرك أن الجامعة ملك للأجيال وليست ملكا للأشخاص. وأن الإصلاح يبدأ غالبا بفكرة صادقة ورأي شجاع يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.
إن المشاركة في تصحيح المسار وإبداء الرأي وتعزيز الصحيح لا ينبغي أن تتوقف بسبب التهميش أو تأخر اللحظة. فأن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي. وأن تضع بصمتك اليوم خير من صمت طويل يضيع معه الأثر.
فالجامعة التي نريدها لا تبنى بالصمت ولا تدار بعقل الفرد الواحد. وإنما تبنى بالعقول المتعددة والآراء الصادقة والضمائر التي ترى في العلم رسالة وفي الجامعة وطنا للمعرفة ومسؤوليته مشتركة بين الجميع.


