الأخبار المحلية

وجوه مطلة بالإبداع خالد الجريف

من منظور آخر حفلت و حظيت بعض المرافق بقدر كبير من جذب الإنتباه ولفت الأنظار لما يتمتع العاملون بها من حس وطنى عال ووجوه مطلة بالإبداع فى شتى المجالات و الساحات غير دورهم ألمهنى هكذا كان مرفق البريد و البرق و الهاتف سابقاً شامة و علامة بين مرافق الدولة المختلفة.
أسسه الأتراك سنة ١٨٥٨م بافتتاح أول مكتب بريد بمدينة سواكن، و أعاد الإنجليز تأسيسه ليخدم أغراضهم الحربية الاستعمارية عند الغزو الإنجليزى المصرى للسودان سنة ١٨٩٨م كبريد حربى و بعد أن دانت لهم الأوضاع فى البلاد و استتبت لهم الأمور عملوا على انتشاره كخدمات للمواطنين، لكن خاب فالهم و انقلب السحر على الساحر. إذ أن مشاعر التحرر الوطنى كانت آكبر و أخطر عند ذلك الكادر المتميز من العاملين بالمرفق من دورهم الوظيفى الخدمى لأجل دراهم معدودة، فمثلوا أعظم الأدوار و انفلتوا من ربقة المادة و قبضة المستعمر و قادوا الجهاد و النضال ضده، فكان منهم أصحاب الفكر و الفن و الثقافة فمنهم من امتشق الحسام منازلا و منهم من أشعل الحماس فى قلوب الجماهير وقود الثورات بالخطب الحماسية و منهم من الهب بشعره المؤثر للمشاعر الوطنية. و كان الدعاة و الأدباء و الكتاب الذين دبجوا المقالات عن حب و هوى الأوطان و الاستقلال و الحرية، فوظف العاملون أجهزة التلغراف و اللاسلكى حينها لنقل ما يحدث من الأخبار بالعاصمة الخرطوم للمدن البعيدة مثل عطبرة و بورتسودان و دنقلا و مدنى و الأبيض و الفاشر و نيالا و كسلا و القضارف و غيرهم من المدن للتناد حتى تغلغل فى وجدان شعب السودان ما سكبه هؤلاء من إبداع كل فى مجاله فكان الوطن حضورا روحاً و جسدا واحدا يتداعى بالاحتجاجات و المظاهرات فى الطرقات التى أقلقت المستعمر البغيض و ازعجته وقضت مضاجعه فلم يذق معها طعما للراحة و النوم، حتى خرج إلى غير رجعة غير ماسوفا عليه مشيعا بالاهازيج و الأناشيد مثل (يا غريب بلدك يلا لى بلدك يلا لى بلدك لمم عددك و سوق معاك ولدك يلا)
معظم أبكار الحركة الوطنية قبل مؤتمر الخريجين ١٩٣٨م كانوا من البوستة و التلغراف، فقائمة الشرف البريدية من جمعية اللواء الأبيض سنة ١٩٢٤م كان فيها الأبطال عبيد حاج الأمين و صالح عبد القادر و عرفات محمد عبد الله الذى كان مستيقظا فى فجره (مؤسس مجلة الفجر) و حادى ركب الوطنية خليل فرح بأشعاره القوية القومية التى كانت تفعل فعلها التحريضى المثير فى قلوب المواطنين مثل عازة فى هواك، و نحن و نحن الشرف الباذخ دابى الكر شباب النيل، وغيرهما من قصائده الرمزية، و على حامد البدوى صاحب النشيد الخالد من أداء الفنان أحمد المصطفى،
لي غرام و أمانى فى سموك و مجدك عشت يا سودانى، و تضم القائمة الشرفية عز الدين راسخ و هاشم البارون و صالح باخريبة و ابراهيم محمد حمد و حسن مرسى و عباس قدح الدم. و حسن صالح المطبعجى، و القائمة تطول و تطول هذا على سبيل المثال لا الحصر. لم يترك موظفو البوستة و التلغراف مكان خال فى أرض الوطن إلا زرعوا فيه بذور الوطنية الحقة رغما عن ما لاقوه و عانوه من قبل المستعمر، و كل ذلك يهون فى سبيل عازة،
(و من يخطب الحسناء لا يغلها المهر) (و من يخطب الحسناء يصبر على البذل) لم يتركوا مجالا إلا كان لهم فيه بصمات إبداعية باقية خالدة فمن الدعاة نجد الشيخ أحمد حسون الذى ختم حياته داعية لدين الله الحق بأمريكا و الشيخ محمد هاشم الهدية و الشيخ مصطفى ناجى و غيرهم كثر من الأئمة و الدعاة الأعلام و فى الأدب و الكتابة و الصحافة و الإعلام و الشعر و الشعراء و الرياضة و المسرح وجوه لا تنسا و لا تمحا من ذاكرة المجتمع السودانى لقد خلدوا أعظم الذكرى.
نشير إلى قليل من كثيرهم شخصيات ذات وقع و شأن كبير بتأثيرها كأمثلة دون ترتيب و تحديد لأدوارهم. محجوب محمد صالح مؤسس صحيفة الايام و عبد الرحمن مختار مؤسس صحيفة الصحافة و الاستاذ جعفر حامد البشير و حسن امين صاحب كتاب (سارق اللحظات) و الشاعر ابراهيم ود الفراش ساعى البريد بين بربر و سواكن فى العهد التركى و يحمل أول طابع بربد سودانى (الجمل) تخيلا لصورته وله ديوان شعر (ديوان ود الفراش) معظمه فى مدح محبوبته (الدون لحق).
الدون ياها دونى
متعة بصرى وراحة عيونى
منكر و نكير ساعة يجونى
يلقوا معاى الدون و لا بسألونى
و مصطفى سند و مبارك المغربى و ابراهيم الرشيد و مصطفى عبد الرحيم (هوج الرياح) و محمد يوسف موسى و نعمان على الله و شاعر العيون عبد الله النجيب و الفنان صلاح مصطفى و على يسن و ابشر الماحى و احمد البلال الطيب مؤسس صحيفة أخبار اليوم و الموسيقار حافظ عبد الرحمن و الموسيقار الماحى سليمان و ديم الصغير و عوض كوكا و شوقى عبدالعزيز. و المسرحى على ابنعوف و الممثل حسن لوفا.
فى كتاب رواد الفكر السودانى للأستاذ محجوب عمر باشرى تجدون إشارات لرموز عديدة من رجالات البريد و البرق. و بعد جلاء المستعمر و عند (السودنة) ملأوا كل الخانات الشاغرة فى مختلف المرافق التى احتاجت لتاهيلهم.
فى الختام و عودا على بدء احيى ذكرى الفقيد المحتفى بتخليده و تمجيده الاستاذ عمر العوض (ابن مدينة الدامر) ، بجائزة تقدم بأسمه فقد كان علما و رقما يحمل ذات السمات و الجينات الإبداعية البريدية و هو موسوعة ثقافية شاملة و كاتب قدير لا يشق له غبار، وقفت فى كتابه هجرة شاهين النوبى كثيرا الذى يعكس فيه و يصور بقلمه الرشيق الرايع ماساة و معاناة سكان وأدى حلفا أرض التاريخ و الحضارة النوبية الممتدة الضاربة بجذورها فى عمق القدم قبل الميلاد إلى حلفا الجديدة.
وهو صاحب النشيد الكورالى..
فى بربر الصحوة
و فى الدامر الخلوة
سودانى الجوة وجدانى بريدو

ما تقدم ذكره نذر يسير عن قيثارة الإبداع و البيان و معقل الوطنية و مجمع وجدان أهل السودان البوستة و التلغراف التى عملت بجد و اجتهاد للاستقلال الذى يجب الحفاظ عليه و العض عليه بالنواجذ وهو حال مستمر و ليس ظرف زمان عابر…

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى