ورقة بحثية سياساتية رقم [36] البرنامج القومي لمكافحة الملاريا والسل ونقص المناعة المكتسبة (الإيدز)
الواقع والتحديات وفجوات التنفيذ في السودان وولاية الخرطوم مع تحليل منظومة التمويل الصحي وأثره على البرامج القومية

من سلسلة دروس حرب الكرامة
الاعداد / د. محمد ابراهيم عبدالرحمن يوسف
رئيس لجنة الطواريء الصحية
ابريل 2023 – يناير 2025
—
أولاً: المختصر التنفيذي
1. تُعدّ الملاريا والسل والإيدز (HIV/AIDS) من أشد الأمراض المعدية تأثيراً على الصحة العامة في السودان. وقد استهدفت البرامج القومية لمكافحتها تحقيق القضاء عليها وفق الأهداف الأممية لعام 2030، غير أن مستهدفات أولية كانت مُحدَّدة لعام 2023 في بعض المؤشرات.(1,5) تُقدِّم هذه الورقة تشخيصاً سياساتياً شاملاً لواقع تلك البرامج في السودان وولاية الخرطوم تحديداً، مع رصد فجوات التنفيذ، وتحليل التمويل الصحي وأثره على الاستدامة، واستعراض تجارب عربية وأفريقية رائدة.
2. تُمثّل ولاية الخرطوم نموذجاً حاداً لهذا الخلل؛ إذ تضم إجمالاً 170 مرفقاً صحياً موزعةً على ثلاث فئات: 54 مرفقاً حكومياً يُشكّل 31.8% من الإجمالي، و81 مرفقاً خاصاً يُشكّل 47.6%، و35 مرفقاً مؤسسياً يتبع الجيش والشركات والأمن والجامعات ويُشكّل 20.6% من الإجمالي. وفي حين تقتصر خدمات البرامج القومية عملياً على المرافق الحكومية الـ54 فقط، فإن 116 مرفقاً يمثل 68.2% من إجمالي المرافق يقف خارج منظومة هذه البرامج المجانية الحيوية.
3. تكشف هذه الورقة أن الإشكالية ليست ندرة في الموارد وحسب، بل خللٌ هيكلي في التخطيط والرقابة والتمويل والتنفيذ، يُفضي إلى تقويض البرامج القومية في عقر دارها.
—
ثانياً: تعريف البرنامج القومي وأهدافه
2-1 التعريف والإطار القانوني
4. البرنامج القومي لمكافحة الملاريا والسل والإيدز برنامجٌ صحي حكومي تُشرف عليه وزارة الصحة الاتحادية بالتنسيق مع وزارات الصحة الولائية، ويهدف إلى توفير خدمات الفحص والعلاج والمتابعة مجاناً لجميع المواطنين وفق بروتوكولات علاجية موحدة. ويستند البرنامج إلى أربع مرجعيات جوهرية: الاستراتيجية القومية للصحة 2017–2030؛(6) واستراتيجية منظمة الصحة العالمية لإنهاء الملاريا والسل؛(1,5) وهدف التنمية المستدامة رقم 3.3 المتعلق بإنهاء الأوبئة؛ وإطار الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا.(2)
2-2 الأهداف الاستراتيجية
5. يقوم البرنامج القومي على ثلاثة محاور استراتيجية مترابطة. يتمثل المحور الأول في التغطية الشاملة، أي توسيع خدمات الفحص والعلاج المجاني لتشمل جميع المرافق الصحية دون استثناء مع الوصول إلى جميع الشرائح السكانية بما فيها المناطق الريفية والنازحون والفئات الهشة. أما المحور الثاني فيتعلق بجودة العلاج ومنع المقاومة الدوائية من خلال الالتزام الصارم بالبروتوكولات العلاجية المعتمدة من منظمة الصحة العالمية، وهو ما يُمثّل خطاً دفاعياً حاسماً في مواجهة خطر المقاومة الذي يُكلِّف موارد مضاعفة في المستقبل. ويتجلى المحور الثالث في السعي نحو القضاء التام على هذه الأمراض بحلول آفاق زمنية محددة عبر خفض معدلات الإصابة والوفيات وفق مؤشرات قابلة للقياس.(1,4,5)
—
ثالثاً: حجم الإصابة والوفيات والمعيار القياسي العالمي
3-1 الملاريا: الأعباء الوبائية وهوة المعايير
6. تُصنَّف الملاريا ضمن أبرز مسببات الأمراض والوفيات في السودان. وتُشير بيانات منظمة الصحة العالمية للفترة 2022–2023م إلى أن معدل الإصابة بلغ نحو 68 حالة لكل ألف شخص من الفئة السكانية المعرضة للخطر، وهو رقم يتجاوز الهدف الدولي لمرحلة الإزالة البالغ أقل من حالة واحدة لكل ألف شخص بأكثر من سبعة وستين ضعفاً.(4,7) فيما بلغ معدل الوفيات 0.16 لكل ألف شخص معرض للخطر، مقارنةً بالهدف الدولي البالغ أقل من 0.02 وفق استراتيجية End Malaria. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تُمثّل ما تم توثيقه فحسب، إذ إن ضعف منظومة التسجيل يجعل الأرقام الحقيقية أعلى من ذلك بكثير.
7. أما على صعيد جودة التشخيص، فإن نسبة الحالات المؤكدة مختبرياً في السودان تقل عن 60%، في حين تُلزم معايير منظمة الصحة العالمية بتأكيد 95% أو أكثر من الحالات المشتبه بها قبل الشروع في العلاج.(4,15) ولا تتجاوز نسبة استخدام الشبك الحشري (ITN) 35% من المستهدفين مقارنةً بالمعيار العالمي البالغ 80% أو أكثر. كما أن تغطية العلاج بالأدوية المركبة القائمة على الأرتيميسينين (ACT) جزئية وغير موثقة، في حين تستوجب المعايير الدولية التغطية الكاملة خلال 24 ساعة من لحظة التشخيص. ويزيد الأمر خطورةً وجود مؤشرات على انتشار المقاومة الجزئية للأرتيميسينين في السودان، وهو أمر لا يُقبَل في دول تستهدف الإزالة.(4)
8. وعلى الصعيد العالمي، بلغت حالات الملاريا 263 مليون حالة عام 2023م أسفرت عن 597 ألف وفاة، تتركز 95% منها في أفريقيا جنوب الصحراء.(4) ومن المرجح أن الحرب المندلعة منذ أبريل 2023م أفضت إلى تفاقم حاد في جميع هذه المؤشرات نتيجة تدهور الخدمات الصحية وانتشار مياه الفيضانات وتراجع حملات الرش والشبك.
3-2 السل: الأعباء الوبائية وهوة المعايير
9. يقع السودان ضمن قائمة الدول ذات العبء الوبائي المرتفع للسل. وتُقدِّر بيانات البنك الدولي المستندة إلى التقرير العالمي لمنظمة الصحة العالمية أن معدل الإصابة بلغ 50 حالة لكل 100 ألف شخص عام 2023م،(5,8) بينما يُحدِّد هدف استراتيجية End TB لعام 2030 سقفاً لا يتجاوز 10 حالات لكل 100 ألف شخص، أي أن السودان يقع عند خمسة أضعاف الحد المستهدف. أما معدل الوفيات الناجمة عن السل فيتراوح بين 7.8 و25 وفاة لكل 100 ألف شخص وفق المصادر المتاحة،(8,18) مقارنةً بهدف 2030 البالغ أقل من وفاة واحدة لكل 100 ألف شخص.
10. وعلى صعيد مؤشرات التشخيص والعلاج، تُقدَّر نسبة اكتشاف الحالات في السودان بأقل من 70%، بينما تستهدف المعايير الدولية الوصول إلى 90% أو أكثر. ولا تبلغ نسبة نجاح العلاج الحد الأدنى المقبول البالغ 90% وفق معايير منظمة الصحة العالمية. ويبقى الإبلاغ عن حالات السل من القطاع الخاص شبه معدوم، في حين تشترط المعايير الدولية إبلاغاً كاملاً من جميع المرافق أياً كانت جهة إشرافها. كما أن تغطية اختبار السل المقاوم للأدوية (MDR-TB) محدودة جداً، بينما تستوجب البروتوكولات الدولية إجراءه لما لا يقل عن 85% من الحالات المخطرة.(5)
11. وتجدر الإشارة إلى أن السل عاد ليتصدر قائمة أشد الأمراض المعدية فتكاً في العالم خلال عام 2023م متجاوزاً كوفيد-19، مع تسجيل 10.8 مليون إصابة جديدة عالمياً و1.25 مليون وفاة.(5) وكان عدد الحالات المُسجَّلة رسمياً في السودان قبل الحرب يبلغ نحو 20 ألف حالة سنوياً، غير أن نظام التسجيل يُرجَّح أنه لا يرصد سوى نسبة من الحالات الفعلية.
3-3 الإيدز (HIV/AIDS): الأعباء الوبائية وهوة المعايير
12. يُعدّ السودان من الدول ذات الانتشار المنخفض نسبياً للإيدز، إذ تُقدَّر نسبة انتشاره بنحو 0.4% في أوساط البالغين بين الخامسة عشرة والتاسعة والأربعين.(17) غير أن الصورة تغيّرت بصورة مثيرة للقلق في أعقاب الحرب؛ إذ كشف تقرير نشرته مجلة The Lancet عام 2025م عن قفزة حادة في أعداد الإصابات الجديدة وصلت إلى 48 ألف إصابة مُسجَّلة، وهو الرقم الأعلى في تاريخ السودان، يعكسه العنف الجنسي والنزوح الجماعي وتوقف خدمات الاختبار والعلاج.(9)
13. وعلى صعيد أهداف 95-95-95 التي وضعها برنامج UNAIDS، تُظهر المؤشرات السودانية فجوةً واسعة في كل مستوى من مستويات الاستجابة: فأقل من 50% من المصابين يعرفون وضعهم الصحي، بينما يستهدف المعيار الدولي 95% أو أكثر.(3,16) ومن المعروفين بإصابتهم، لا يتلقى علاج ART سوى أقل من 40%، في حين يستهدف المعيار 95% أو أكثر. ومن المعالجين، لا يحقق قمعاً فيروسياً كاملاً سوى أقل من 30%، مقارنةً بهدف 95% أو أكثر. أما تغطية خدمات منع انتقال العدوى من الأم للطفل (PMTCT) فلا تبلغ 40%، في حين يستوجب المعيار الدولي 90% أو أكثر. ويبقى معدل الاختبار السكاني عند حدود 1% فحسب، بينما تستهدف المعايير 70% أو أكثر للفئات الأعلى خطورة.(16)
3-4 الفجوات في ضعف التغطية: قراءة مقارنة تحليلية
14. تكشف المقارنة بين واقع المؤشرات السودانية والمعايير القياسية الدولية في الأمراض الثلاثة عن هوة شاسعة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل هي محصلة ثلاثة أسباب جوهرية مترابطة تُعزِّز بعضها بعضاً.
15. يتمثل السبب الأول في قصور التغطية الجغرافية والمؤسسية؛ فحصر خدمات البرامج القومية في 54 مرفقاً حكومياً يُشكّل 31.8% من إجمالي 170 مرفقاً يُمثّل عائقاً بنيوياً يجعل الوصول إلى المرضى الذين يُراجعون 116 مرفقاً تمثل 68.2% من المرافق أمراً متعذراً. فالمريض الذي يلجأ إلى أيٍّ من المرافق الخاصة الـ81 أو المرافق المؤسسية الـ35 لا يجد خدمة التشخيص المجانية المعتمدة ولا الأدوية البروتوكولية الممنهجة، فيتركه ذلك أمام خيارين كلاهما غير مثالي: إما تحمّل تكاليف باهظة وعلاج لا يلتزم بالبروتوكول، وإما الإحجام عن العلاج كلياً.
16. ويتمثل السبب الثاني في ضعف منظومة الفحوصات التشخيصية؛ إذ تستلزم البروتوكولات الدولية للأمراض الثلاثة التأكيد المختبري الصارم قبل الشروع في العلاج،(15) غير أن مرافق الفحص المعتمدة قليلة العدد وموزعة بصورة غير عادلة جغرافياً، ومستلزماتها تعاني من انقطاع دوري حاد، ولا تتوفر خدمة الفحص المتكامل للأمراض الثلاثة في أغلب المرافق الحكومية الـ54. وبالمحصلة، تُعالَج نسبة من الحالات تشخيصاً سريرياً دون تأكيد مختبري، مما يُضعف دقة العلاج ويُفقد البرنامج أداة رصد وبائي لا غنى عنها.
17. أما السبب الثالث فيتمثل في ضعف متابعة تنفيذ البروتوكولات العلاجية؛ إذ تكشف البيانات المتاحة أن نسب إكمال الدورة العلاجية للسل تقل عن الحد الأدنى المقبول وفق معيار منظمة الصحة العالمية البالغ 90%،(1) فضلاً عن غياب نظام متابعة موثَّق لمرضى الإيدز المنتظمين على علاج ART في كثير من المرافق،(16) وضعف الرصد الدوري لأنماط المقاومة الدوائية في الملاريا على المستوى الوطني.(4)
—
رابعاً: حجم الإنفاق على البرامج القومية
4-1 التمويل الدولي والوطني
18. تعتمد برامج مكافحة الأمراض الثلاثة في السودان اعتماداً جوهرياً على التمويل الدولي، ولا سيما من الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا الذي يُشكّل العمود الفقري للإنفاق على هذه البرامج. وفي الفترة 2021–2026م، حصل السودان على منح تتراوح بين 120 و180 مليون دولار موزعة على ثلاث دورات تمويلية تشمل برامج الأمراض الثلاثة.(2) غير أن الحروب والأزمات السياسية المتكررة أسهمت في تعليق دورات تمويلية وتقليص المنح أو تأجيلها، مما يُضعف استدامة البرامج ويُعرِّضها للانقطاع في أشد اللحظات حرجاً.
19. في المقابل، لا يتجاوز الإنفاق الحكومي الداخلي على هذه البرامج 5–8% من إجمالي الموازنة الصحية، وهو رقم هزيل يقع دون الحد الأدنى المقبول وفق إعلان أبوجا البالغ 15% من الإنفاق الحكومي على الصحة.(13) وهذا الاعتماد شبه الكلي على التمويل الخارجي يُشكِّل مصدر هشاشة بنيوية يُهدِّد استمرارية هذه البرامج كلما اضطربت العلاقات مع الشركاء الدوليين.
4-2 فجوة التمويل في ولاية الخرطوم
20. لا تتوفر أرقام دقيقة منشورة لميزانية البرامج القومية على المستوى الولائي في الخرطوم نظراً لضعف منظومة المعلومات الصحية وتأثير الحرب. غير أن تقديرات المديرية العامة لولاية الخرطوم تُشير إلى أن تكلفة تغطية جميع المرافق الـ170 بخدمات كاملة تستلزم مضاعفة الموارد الحالية بمعامل يتراوح بين ثلاثة وخمسة أضعاف، وهو ما يعكس عمق الفجوة بين حجم الاحتياج الفعلي ومستوى الموارد المرصودة، ويُجسِّد سبب اقتصار التطبيق على المرافق الحكومية الـ54 دون سواها.
—
خامساً: واقع التنفيذ وعجز الوزارة
5-1 الهوة بين المأمول والواقع
21. على الرغم من أن البرنامج القومي مُصمَّم ليشمل جميع المرافق الصحية عامةً وخاصةً ومؤسسيةً، فإن التطبيق الفعلي يقتصر في ولاية الخرطوم على المرافق الحكومية الـ54 التي تُمثّل 31.8% من إجمالي 170 مرفقاً. ومعنى ذلك أن المرافق الخاصة البالغة 81 مرفقاً والتي تُشكّل 47.6% من الإجمالي، والمرافق المؤسسية العسكرية والأمنية والجامعية البالغة 35 مرفقاً والتي تُشكّل 20.6% — أي ما مجموعه 116 مرفقاً يمثل 68.2% من إجمالي مرافق الولاية — تقع خارج منظومة الرقابة والبروتوكولات الموحدة والتوريد المجاني للأدوية.(5) بل إن الخدمات في المرافق الحكومية الـ54 ذاتها تتوفر بصورة جزئية وغير منتظمة.
22. هذا الخلل الهيكلي الحاد يُفضي إلى ثلاث نتائج كارثية متشابكة: أولها الحرمان الخدمي لشريحة واسعة من السكان الذين يُراجعون القطاع الخاص والمؤسسي؛ وثانيها غياب البروتوكولات الموحدة مما يُهيّئ بيئةً خصبة لنشوء المقاومة الدوائية؛ وثالثها استحالة تحقيق أهداف القضاء على هذه الأمراض في ظل تغطية فعلية للبرامج لا تتجاوز 31.8% من إجمالي مرافق ولاية الخرطوم.
5-2 محددات العجز المؤسسي
23. على مستوى الحوكمة والتشريع: غياب آليات إلزامية فعّالة تضمن انضمام القطاع الخاص إلى منظومة البروتوكولات الوطنية، إذ تنتهي الإلزامية عند حدود القطاع العام، ولا توجد عقوبات أو حوافز كافية تدفع القطاع الخاص نحو الانتظام في المنظومة القومية.
24. على مستوى الموارد والتوريد: لا تنتظم سلاسل توريد الأدوية والكواشف التشخيصية للمرافق الحكومية ذاتها، فكيف بتوسيعها لتشمل القطاع الخاص؟ وقد زادت الحرب المندلعة منذ أبريل 2023م من حدة هذا الاضطراب، إذ تعطلت سلاسل الإمداد وتوقف التوريد في مناطق واسعة.
25. على مستوى الرقابة والمتابعة: يحول ضعف منظومة المعلومات الصحية وغياب التقارير الدورية الموثوقة دون الرصد الفعّال للفجوات والتدخل في الوقت المناسب. ويزيد من التعقيد تعدد الجهات المشرفة على المرافق المؤسسية العسكرية والأمنية دون تنسيق كافٍ مع وزارة الصحة الولائية.
26. على مستوى الكوارث والطوارئ: أحدثت الحرب المندلعة في أبريل 2023م اضطراباً بالغاً في منظومة الصحة العامة؛ إذ دُمِّر عدد كبير من المرافق أو هُجِر، وهاجر كثير من الكوادر الصحية، ما زاد من انكشاف المرضى الحاملين للأمراض المزمنة أمام خطر انقطاع العلاج.
—
سادساً: خلل تطبيق البروتوكولات العلاجية وضعف الفحوصات التشخيصية
6-1 منظومة الفحوصات التشخيصية: الواقع والمطلوب
27. تُلزم بروتوكولات منظمة الصحة العالمية للأمراض الثلاثة بمعايير تشخيصية صارمة قبل الشروع في أي علاج. فالملاريا تستلزم التأكيد المختبري إما بالفحص المجهري (المسحة الرقيقة والسميكة) أو باختبارات التشخيص السريع (RDTs)، ومعدل التأكيد المستهدف 95% أو أكثر من جميع الحالات المشتبه بها.(15) أما السل فيستلزم التحقق البكتيري بالزرع أو الفحص المجهري للبلغم أو اختبار GeneXpert.(14) وفيما يتعلق بالإيدز فإن اختبار HIV المُزدوج (مستضد/جسم مضاد) هو الركيزة الأساسية للتشخيص، مع اشتراط قياس الحمل الفيروسي ومستوى CD4 لتحديد خطة العلاج وتقييم الاستجابة الدورية.(16)
28. تتجلى فجوات التشخيص في ولاية الخرطوم على ثلاثة مستويات متداخلة. على مستوى توافر الفحوصات، لا تتوفر خدمات الفحص المختبري الكامل للأمراض الثلاثة في أغلب المرافق الحكومية الـ54، كما أن مرافق الفحص التخصصية المعتمدة محدودة العدد وغير موزعة جغرافياً بصورة عادلة على مساحة الولاية. وعلى مستوى انتظام الإمداد، تعاني مستلزمات الفحص من كواشف ومحاليل ومنظارات وأجهزة GeneXpert من انقطاع دوري حاد وصل في بعض مراحل الحرب إلى توقف كامل في مناطق معينة. وعلى مستوى الكوادر المدرَّبة، يُعاني قطاع الفحص المختبري من شُح حاد في الكوادر الفنية المؤهلة التي هاجر قسم كبير منها إثر الحرب، مما أثّر بصورة مباشرة على جودة التشخيص وسرعته.
6-2 متابعة تنفيذ البروتوكولات العلاجية: الثغرات وآثارها
29. تُعدّ المتابعة المنتظمة للمريض خلال دورته العلاجية الكاملة ركيزةً أساسية في البروتوكول الدولي لكل من الأمراض الثلاثة، لكنها تظل الحلقة الأضعف في منظومة البرامج القومية بولاية الخرطوم. ويتجلى ذلك في غياب منظومة تتبع المرضى الإلكترونية المحوسبة التي تُمكِّن من رصد الحالات المنقطعة عن العلاج بصورة فورية،(11,12) وانعدام برامج متابعة المجتمع كعمال الصحة المجتمعية الموكَل إليهم التحقق من إكمال المريض لدورته العلاجية، وعدم اشتراط التقارير الدورية من المرافق الحكومية عن معدلات إكمال العلاج ومعدلات الانقطاع، مما يجعل صورة الأداء الفعلي مجهولة المعالم بالنسبة لصانعي القرار.
30. تتصاعد تداعيات غياب المتابعة العلاجية في ثلاثة مستويات متداخلة. على المستوى الفردي، يتعرض المريض المنقطع عن العلاج لمخاطر الانتكاس والمضاعفات وتقدم المرض وتراجع فرص الشفاء. وعلى المستوى الوبائي، يُشكِّل كل مريض منقطع خزاناً وبائياً حياً يُديم دورة انتقال العدوى في المجتمع، مما يُعاكس تماماً هدف البرنامج القومي في قطع سلسلة الانتقال. أما على المستوى الصيدلاني المستقبلي، فيُعدّ انقطاع العلاج السبب الأول لظهور المقاومة الدوائية — السل متعدد المقاومة (MDR-TB) والملاريا المقاومة للأرتيميسينين والإيدز المقاوم للأدوية المضادة للفيروسات القهقرية — وهي حالات تستلزم بروتوكولات بديلة أثقل على المريض وأشد كلفةً على المنظومة الصحية بأضعاف مضاعفة.
6-3 تصنيف أوجه الضعف التنفيذي وفق إطار منظمة الصحة العالمية
31. يُمكن تصنيف أوجه القصور في مواجهة الأمراض الثلاثة وفق الإطار التحليلي لمنظمة الصحة العالمية في ستة محاور:(1) أولها القيادة والحوكمة بما يشمل غياب التنسيق المؤسسي وضعف الإلزام القانوني؛ وثانيها التمويل بما يشمل الاعتماد الكبير على التمويل الخارجي وضعف المساهمة الحكومية؛ وثالثها القوى العاملة الصحية بما يشمل هجرة الكوادر وضعف التدريب وشُح تخصصي المختبرات؛ ورابعها الأدوية والمستلزمات بما يشمل اضطراب سلاسل التوريد وانعدام المخزون الاستراتيجي؛ وخامسها تقديم الخدمات بما يشمل محدودية التغطية الجغرافية والمؤسسية وغياب الرقابة على الجودة؛ وسادسها نظم المعلومات الصحية بما يشمل ضعف التوثيق والإبلاغ وانعدام قواعد البيانات المتكاملة للأمراض الثلاثة.
—
سابعاً: التمويل الصحي — ركيزة أساسية للنظام الصحي
*Healthcare Financing: A Cornerstone of the Health System*
32. يُعدّ التمويل الصحي أحد الأركان الستة التي تقوم عليها النظم الصحية الفعالة وفق إطار منظمة الصحة العالمية، إلى جانب الحوكمة، والقوى العاملة الصحية، وأنظمة المعلومات الصحية، والمنتجات الطبية والتقنيات، وتقديم الخدمات.(19) إن وجود آليات تمويل قوية ومستقرة يضمن استمرارية توفير الرعاية ووصولها العادل للمواطنين وجودتها. وبدون تمويل كافٍ ومنظم تنهار بقية ركائز النظام، مما يؤثر سلباً على صحة السكان وتنمية المجتمع. ولهذا فإن فهم منظومة التمويل الصحي في السودان يُعدّ مدخلاً لا غنى عنه لتفسير إخفاقات البرامج القومية لمكافحة الأمراض الثلاثة.
7-1 الأنظمة العالمية لتمويل الرعاية الصحية: المزايا والعيوب
33. تتبنى الدول حول العالم ثلاثة نماذج رئيسية لتمويل الرعاية الصحية تتباين في مزاياها وعيوبها وفق السياق الاقتصادي والاجتماعي لكل منها.
34. النموذج الأول هو التمويل القائم على الضرائب العامة (Tax-based Financing)، إذ تُجمع الأموال للرعاية الصحية من الضرائب العامة وتوزَّع على المواطنين بصرف النظر عن دخلهم أو وضعهم الوظيفي. يُحقق هذا النموذج تغطيةً شاملة تصل في حالاته المثلى إلى 100% من السكان، ويُعزِّز مبدأ التكافل الاجتماعي إذ يدفع الأغنياء أكثر ويستفيد الجميع، ويُمكِّن الحكومة من التحكم في الإنفاق الكلي على الصحة.(22) في المقابل يجعله اعتماده على الإيرادات الضريبية عرضةً للانكماش الاقتصادي، وقد يُفضي إلى قوائم انتظار طويلة للخدمات غير الطارئة. وتُطبّق هذا النموذج المملكة المتحدة من خلال خدمة الصحة الوطنية (NHS) وكندا.
35. النموذج الثاني هو التأمين الاجتماعي الإلزامي (Social Health Insurance)، المعروف بنموذج بسمارك، الذي يعتمد على مساهمات إلزامية من الموظفين وأرباب العمل وقد تساهم الدولة، وتُجمع في صناديق تأمين صحي مستقلة. يوفر هذا النموذج حمايةً ماليةً قوية للمشتركين وعائلاتهم، ويُوزِّع المخاطر المالية على مجموعة واسعة من الأفراد، ويُتيح للمرضى حريةً في اختيار مقدم الخدمة.(22) أما عيوبه فتشمل: احتمال استثناء الفئات غير العاملة أو الفقيرة جداً ما لم تتدخل الدولة، وارتفاع التكاليف الإدارية عند تعدد الصناديق. تُطبّقه ألمانيا وفرنسا واليابان، ويهدف إلى تغطية أكثر من 90% من السكان.
36. النموذج الثالث هو التأمين الخاص والدفع المباشر (Private Insurance & Out-of-Pocket Payments)، الذي يعتمد على شراء الأفراد وثائق تأمين من شركات خاصة أو الدفع الفوري عند تلقي الخدمة. يوفر هذا النموذج مرونةً في التغطية والخدمات ويُحفِّز المنافسة بين مقدمي الخدمات. غير أن عيوبه تطغى على مزاياه في كثير من السياقات؛ إذ يخلق تفاوتاتٍ صارخةً في الوصول للرعاية الصحية بناءً على القدرة المالية، ويُعرِّض غير المؤمن عليهم لخطر الإفلاس جراء تكاليف المرض، ولا يقوم على مبدأ التضامن. وتتفاوت نسب التغطية السكانية تفاوتاً كبيراً في الدول التي تعتمده، وقد تصل إلى مستويات عالية حين يُطبَّق بصورة إلزامية كما في الإمارات العربية المتحدة.(22)
7-2 نموذج التمويل المتبع في السودان: واقع مجزأ وتحديات عميقة
Sudan’s Current Financing Model: A Fragmented Reality with Deep Challenges*
37. يعكس نموذج التمويل الصحي في السودان خليطاً معقداً وغير فعال من مصادر متعددة يفتقر إلى التنسيق والشمولية، مما يضع أعباءً هائلة على الأفراد ويؤثر سلباً على كفاءة النظام الصحي وجودته.(23) ويتألف هذا النموذج من أربعة مكونات رئيسية:
38. المكون الأول هو التأمين الصحي القومي الذي هو نظام إلزامي نظرياً، تهدف الحكومة من خلاله إلى تغطية حوالي 70% من المشتركين الفقراء. ورغم أهميته كمفهوم، فإن فعاليته ضعيفة جداً بسبب تحديات التحصيل، وعدم كفاية الموارد المخصصة، وعدم شمولية التغطية. فهو نظام موجود على الورق أكثر منه واقعاً فعالاً، ولا تتجاوز نسبة تغطيته على المستوى القومي 35%، بينما تبلغ في ولاية الخرطوم 71% مع عجز الدولة عن دفع الاستقطاعات المترتبة عليها.
39. المكون الثاني هو التأمين الصحي الولائي، وهو مبادرات على مستوى الولايات تدفع الولاية عبرها عن 60% من المشتركين الفقراء عبر المالية وديوان الزكاة. وهذه المبادرات غالباً ما تكون محدودة من حيث التغطية الجغرافية والخدمات، وتفتقر إلى التنسيق الفعال مع النظام القومي، مما يزيد من تجزئة التمويل ويُعقِّد الصورة الكلية للإنفاق الصحي.
40. المكون الثالث هو العلاج المجاني الذي يُوفَّر في أقسام الطوارئ وبعض البرامج القومية التخصصية كالكلى والقلب والأورام، وتتحمل الحكومة تكلفته. ويُمثّل هذا عبئاً هائلاً على الميزانية العامة غير مستدام في ظل التقلبات في التمويل الحكومي. كما أنه يركز على الرعاية العلاجية المتقدمة بدلاً من الوقاية والرعاية الأولية. وهذا البند بالذات هو ما تنتمي إليه البرامج القومية لمكافحة الأمراض الثلاثة محل هذه الورقة، مما يجعلها معرَّضةً بصورة مباشرة لتذبذب التمويل الحكومي.
41. المكون الرابع هو الدفع من الجيب الذي يُشكِّل ما يزيد على 74% من الإنفاق الصحي الإجمالي في السودان، وهو المصدر الرئيسي لتمويل الرعاية الصحية في الواقع العملي.(23) تُحدد الحكومة أسعاراً اقتصادية أقل من التكلفة الحقيقية، لكنها مع ذلك باهظة بالنسبة لمعظم المواطنين. والرسوم المحددة لا تغطي تكلفة المستهلكات، والأجور الزهيدة للكادر الطبي تعكس هذه الفجوة، ويدفع الكثير من الأسر إلى الفقر أو حرمانهم من الرعاية الضرورية.
7-3 تعدد مصادر التمويل: العيوب والتأثيرات على برامج مكافحة الأمراض الثلاثة
42. إن هذا المزيج من الأنظمة المجزأة والمتداخلة له تأثيرات كارثية مباشرة على البرامج القومية لمكافحة الملاريا والسل والإيدز يمكن رصدها في ستة وجوه مترابطة.
43. الوجه الأول هو عدم كفاءة الإنفاق؛ إذ يُؤدي تشتت الموارد وعدم التنسيق إلى هدر كبير في الأموال دون تحقيق أقصى فائدة، مما يعني أن ما يصل فعلاً إلى برامج مكافحة الأمراض الثلاثة أقل بكثير مما هو مرصود نظرياً.
44. الوجه الثاني هو غياب العدالة في الوصول؛ إذ يترتب على هذا النظام فجوات هائلة في الوصول للخدمات حيث يحرم غير القادرين من الرعاية. وهذا ما يُفسِّر جزئياً سبب عدم إكمال المرضى لدوراتهم العلاجية للأمراض الثلاثة، مما يُهيِّئ لظهور المقاومة الدوائية على المستوى المجتمعي.
45. الوجه الثالث هو ضعف جودة الخدمات؛ إذ يُؤدي التمويل غير المستقر إلى نقص في المعدات والأدوية والصيانة، وهو ما ينعكس مباشرةً في انقطاع إمداد الكواشف التشخيصية وأدوية البروتوكولات الموثقة في هذه الورقة.
46. الوجه الرابع هو هجرة الكفاءات الطبية؛ إذ تدفع الأجور الزهيدة وسوء ظروف العمل الناتجة عن ضعف التمويل الكادرَ الطبي المؤهل للهجرة، مما يُفسِّر شُح الكوادر المختبرية المدربة المشار إليه في الفصل السابق.
47. الوجه الخامس هو غياب الاستدامة المالية؛ إذ يعتمد النظام بأكمله على تمويل متذبذب وغير مضمون، مما يجعله عرضةً للانهيار في أي وقت ويصعب معه التخطيط طويل الأمد. وهذا يُفسِّر الاعتماد شبه الكامل على التمويل الدولي من الصندوق العالمي في برامج مكافحة الأمراض الثلاثة.
48. الوجه السادس هو عجز عن تغطية التكاليف الحقيقية؛ إذ تعني الفجوة بين سعر الخدمة المدفوع وسعر المستهلك الحقيقي أن مقدمي الخدمة يعانون من نقص مزمن في الإيرادات يؤثر على قدرتهم على العمل بفعالية.
7-4 المقارنة الدولية لأنظمة تمويل الرعاية الصحية (2020–2022)
49. تُتيح المقارنة بين تجارب دول مختارة وضع المشهد السوداني في سياقه الصحيح. فرواندا، رغم محدودية مواردها الاقتصادية، أنفقت نحو 7% من ناتجها المحلي الإجمالي على الصحة، ولا يتجاوز الدفع المباشر من الجيب فيها 18% من إجمالي الإنفاق الصحي، بينما يُغطي التأمين الصحي 80–85% من هذا الإجمالي من خلال نظام تأمين مجتمعي إلزامي مدعوم حكومياً، مما حقق تغطيةً سكانية تبلغ 95%.(12,22) أما تايلاند فتُنفق 3.8% من ناتجها المحلي على الصحة، ولا تتجاوز نسبة الدفع المباشر 8.7%، إذ يُغطي التمويل الضريبي 70.5% من الإنفاق الصحي، مما أتاح تغطيةً سكانية تبلغ 99%.(22)
50. وفي منطقتنا العربية، تُنفق الإمارات العربية المتحدة 4–5% من ناتجها المحلي على الصحة مع دفع مباشر لا يتجاوز 10–15%، فيما يُغطي التأمين الخاص الإلزامي أكثر من 85% من الإنفاق محققاً تغطيةً سكانية تقارب 85% أو أكثر. وتُنفق المملكة العربية السعودية 6.4% من ناتجها المحلي، مع دفع مباشر يتراوح بين 20 و25%، ونظام هجين من التمويل الحكومي والتأمين الخاص يُغطي نحو 69% من الإنفاق محققاً تغطيةً سكانية 95.3%. أما مصر فتُنفق 4.6% من ناتجها المحلي، غير أن الدفع المباشر يتجاوز 60% من إجمالي الإنفاق الصحي، وتبلغ التغطية بالتأمين الصحي 30–40% من الإنفاق مع تغطية سكانية 66%.(20,22)
51. وفي مقابل هذه التجارب، يُنفق السودان نحو 4.6% من ناتجه المحلي الإجمالي على الصحة، غير أن ما يزيد على 74% من هذا الإنفاق يأتي من الدفع المباشر من جيب المواطن.(23) ولا يُغطي التأمين الصحي سوى 25–30% من إجمالي الإنفاق بمستوى تنفيذ ضعيف للغاية، وتبلغ التغطية القومية بالتأمين الصحي 35% فحسب مع 71% في ولاية الخرطوم في ظل عجز الدولة عن دفع الاستقطاعات المترتبة عليها. وبالمقارنة مع تايلاند التي تُنفق 3.8% فحسب من ناتجها المحلي لكنها تحقق تغطية 99%، يتبيّن أن المشكلة السودانية ليست في حجم الإنفاق الصحي كنسبة من الناتج المحلي، بل في هيكل هذا الإنفاق وتوزيعه ونموذج التمويل المُعتمد.
7-5 الاستنتاج: الصلة بين ضعف التمويل وإخفاق البرامج القومية
52. تؤكد هذه المقارنة أن التأمين الصحي الفعال — بغض النظر عن نموذجه، سواء أكان اجتماعياً أم ضريبياً أم خاصاً إلزامياً — هو الأداة الأكثر فعالية لتقليل الدفع المباشر من الجيب وحماية المواطنين من الأعباء المالية الكارثية للمرض. كما أنه يساهم في تحرير الموارد الحكومية لتوجيهها نحو الاستثمار في البنية التحتية والبرامج الوقائية التي تنتمي إليها برامج مكافحة الأمراض الثلاثة.(20,22)
53. وتُثبت تجارب رواندا وتايلاند أنه حتى مع الموارد الاقتصادية المحدودة يمكن تحقيق تغطية صحية شاملة وفعالة من خلال تصميم نظام تمويل مركزي يعتمد على التضامن والدفع المسبق، مما يُمكِّن وزارة الصحة من التخطيط المستقبلي وتجويد الخدمات واستبقاء الكادر الصحي المؤهل.
54. وفيما يخص السودان تحديداً، فإن الارتباط بين ضعف التمويل وإخفاق برامج مكافحة الأمراض الثلاثة واضح وموثَّق: الدفع من الجيب الذي يتجاوز 74% يُشكِّل العائق الرئيسي أمام إكمال المرضى لدوراتهم العلاجية؛ وغياب نظام تمويل مستدام يُفسِّر عجز الوزارة عن توسيع خدمات البرامج القومية لتشمل 116 مرفقاً لا تزال خارج المنظومة؛ والاعتماد شبه الكلي على الصندوق العالمي يُجعل استمرارية البرامج رهينةً للتمويل الخارجي عوضاً عن إرادة وطنية ممأسَسة. يُعدّ تطوير وتفعيل نظام تأمين صحي شامل وموحد بالتالي خطوةً حاسمةً لا غنى عنها لبناء نظام رعاية صحية مستدام وعادل يخدم جميع المواطنين.
—
ثامناً: تجارب عربية وأفريقية ناجحة
8-1 المملكة المغربية: نموذج التكامل بين القطاعين
55. اعتمدت المملكة المغربية نهجاً شمولياً في مكافحة السل يستوعب كلاً من القطاع العام والخاص والمؤسسي تحت منظومة وطنية موحدة. أنشأ المغرب شبكة من مراكز التشخيص والعلاج المجاني موزعة جغرافياً بصورة تضمن قرب الخدمة من المريض، مع إلزام المرافق الخاصة بالإبلاغ عن الحالات وإحالتها للعلاج الممنهج. أسفر هذا النهج عن تحقيق معدل نجاح علاجي يتجاوز 90% للسل الحساس.(10) الدرس المستفاد للسودان: إنشاء مراكز مرجعية موزعة على مستوى ولاية الخرطوم مع إلزام تشريعي للقطاع الخاص وحوافز مالية للانتظام في المنظومة.
8-2 جمهورية تنزانيا: نموذج استراتيجية DOTS وتوسيعها
56. طوّرت تنزانيا منذ التسعينيات تجربة رائدة في تطبيق استراتيجية العلاج تحت الإشراف المباشر (DOTS)، بشراكة فعّالة بين الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص؛ إذ دُرِّب العاملون في القطاع الخاص على البروتوكولات الوطنية ومُنحوا أدوية مدعومة مقابل الالتزام والإبلاغ المنتظم، مع توظيف المجتمع المحلي مراقبين للعلاج لضمان إكمال المرضى دورتهم العلاجية الكاملة.(11) الدرس المستفاد: تدريب كوادر المرافق الخاصة الـ81 والمؤسسية الـ35 في ولاية الخرطوم وتزويدها بالأدوية المدعومة مقابل الالتزام بالبروتوكول والإبلاغ.
8-3 جمهورية رواندا: نموذج التكامل الرقمي والتمويل المجتمعي
57. حققت رواندا قفزة نوعية في مكافحة الأمراض الثلاثة بدمج منظومة المعلومات الصحية الرقمية (DHIS2) مع برامج المكافحة، مما مكّن من رصد كل حالة في الوقت الفعلي وتتبع التزامها بالعلاج. كما طوّرت نموذج عمال الصحة المجتمعية الذي يربط كل أسرة بعامل مدرَّب يضمن الالتزام بالعلاج ويُبلِّغ عن الحالات الجديدة.(12) ويُلاحظ أن رواندا حققت كل ذلك من خلال نظام تأمين مجتمعي بتغطية 95% مع إنفاق صحي يبلغ 7% من الناتج المحلي — وهي تجربة تمويلية وتقنية ينبغي للسودان دراستها بعمق في مسار إصلاح منظومته الصحية. الدرس المستفاد: تبنّي منصة معلوماتية موحدة تشمل جميع المرافق الـ170 مع توظيف عمال الصحة المجتمعيين لضمان إكمال الدورات العلاجية.
8-4 المملكة العربية السعودية: نموذج التكامل المؤسسي
58. تتميز التجربة السعودية بإدماج المرافق الصحية العسكرية وشركة أرامكو والمستشفيات الجامعية في المنظومة الوطنية الموحدة لمكافحة الأمراض المعدية من خلال لجنة مركزية مشتركة تضم ممثلين من جميع الجهات، مما أفضى إلى توحيد البروتوكولات وقواعد البيانات الوبائية مع احتفاظ كل جهة باستقلاليتها الإدارية. الدرس المستفاد: تشكيل لجنة تنسيقية ولائية تضم ممثلي وزارة الصحة الولائية والمرافق العسكرية والأمنية والجامعية والقطاع الخاص.
8-5 جمهورية إثيوبيا: نموذج الاعتماد المشروط
59. صمّمت إثيوبيا استراتيجية وطنية لتوسيع خدمات الوقاية والعلاج بإشراك القطاع الخاص من خلال منح شهادات اعتماد مشروطة باتباع البروتوكولات الوطنية وتقديم تقارير دورية، مع دعم فني ولوجستي حكومي مستمر للمرافق المنضمة إلى المنظومة. أسهم ذلك في مضاعفة التغطية الجغرافية دون مضاعفة الإنفاق الحكومي المباشر. الدرس المستفاد: اعتماد نظام الاعتماد المشروط للمرافق الخاصة الـ81 والمؤسسية الـ35 في ولاية الخرطوم مقابل الالتزام بالبروتوكول والإبلاغ المنتظم.
—
تاسعاً: التوصيات
9-1 على مستوى الحوكمة والتشريع
60. إصدار قرار ولائي يُلزم جميع مرافق القطاع الخاص البالغة 81 مرفقاً والمرافق المؤسسية البالغة 35 مرفقاً بالإبلاغ عن حالات الأمراض الثلاثة وإحالة الحالات المؤكدة إلى المراكز المرجعية المعتمدة. وتشكيل لجنة تنسيق عليا تضم الجهات الصحية الحكومية والعسكرية والأمنية والجامعية والقطاع الخاص، برئاسة وزير الصحة الولائي أو من ينوبه، على نمط التجربة السعودية.
9-2 على مستوى منظومة الفحوصات التشخيصية
61. توسيع نقاط الفحص المختبري المعتمدة لتشمل مرافق إضافية تُغطي مناطق ولاية الخرطوم بصورة جغرافية عادلة. وإنشاء مخزون احتياطي استراتيجي من المستلزمات التشخيصية — الكواشف واختبارات RDTs وخراطيش GeneXpert — على مستوى الولاية، مع تطوير برامج الصيانة الدورية للأجهزة المختبرية وتدريب الكوادر الفنية. والسعي تدريجياً نحو تحقيق التأكيد المختبري لما لا يقل عن 80% من حالات الملاريا، و85% من حالات السل، و100% من الحالات المحتملة للإيدز.
9-3 على مستوى متابعة البروتوكولات العلاجية
62. اعتماد نظام تتبع المرضى الإلكتروني ولو بأبسط صوره، وتفعيل دور عمال الصحة المجتمعية في متابعة مرضى السل والإيدز وضمان إكمالهم للدورات العلاجية على نمط التجربة الرواندية. وإصدار تقارير دورية ربع سنوية تُعرض على لجنة التنسيق العليا تتضمن معدلات إكمال العلاج، والحالات المنقطعة، ونتائج الفحوصات الدورية.
9-4 على مستوى التوريد والإمداد
63. إنشاء مخازن احتياطية استراتيجية لأدوية الأمراض الثلاثة تكفل الاستمرارية في حالات الطوارئ والحروب والنزاعات. واعتماد نظام توريد مزدوج يشمل التوريد المباشر للمرافق الحكومية الـ54 والتوريد المدعوم المشروط للمرافق الخاصة والمؤسسية المعتمدة.
9-5 على مستوى إصلاح التمويل الصحي
64. بالنظر إلى أن الدفع من الجيب الذي يتجاوز 74% من الإنفاق الصحي يُمثّل العائق الأكبر أمام استدامة البرامج القومية، يُوصى بما يلي: تطوير وتفعيل نظام تأمين صحي شامل وموحد يُقلِّص الاعتماد على الدفع المباشر ويُوسِّع التغطية تدريجياً لتشمل جميع المواطنين، مع الاستفادة من تجربتَي رواندا وتايلاند في تصميم نظام تمويل مركزي قائم على التضامن والدفع المسبق. وإعداد مقترح مالي واضح لرفعه إلى الصندوق العالمي والشركاء الدوليين يُظهر حجم الفجوة في التغطية وخطة التوسع لتشمل المرافق الـ170، مدعوماً بأرقام سكانية وخرائط جغرافية واضحة. والسعي نحو نماذج تمويل مبتكرة كشراكات الشركات الخاصة والقطاع الجامعي في تمويل حصتهم من خدمات البرامج القومية.
—
عاشراً: الخاتمة
65. تكشف هذه الورقة أن الفجوة بين ما تنصّ عليه البرامج القومية لمكافحة الملاريا والسل والإيدز وما يتحقق على أرض الواقع في ولاية الخرطوم ليست عارضاً هامشياً، بل إخفاق هيكلي ممنهج تتراكم تداعياته الصحية والاقتصادية يوماً بعد يوم. وتُظهر المقارنة بين المؤشرات الوبائية السودانية والمعايير الدولية هوةً واسعة: معدل إصابة بالملاريا يتجاوز الهدف الدولي بسبعة وستين ضعفاً، وإصابات بالسل عند خمسة أضعاف الحد المستهدف، وتغطية لبرامج الإيدز لا تبلغ نصف ما تستوجبه المعايير الدولية.
66. وقد أضافت هذه الورقة بُعداً تحليلياً جوهرياً يتمثل في ربط هذا الإخفاق بمنظومة التمويل الصحي المتهالكة؛ فالسودان الذي يُنفق أكثر من 74% من إنفاقه الصحي عبر الدفع المباشر من جيب المواطن لا يمكنه في الوقت ذاته أن يُحقق التغطية الكاملة لبرامج مجانية قومية تستلزم استدامةً مؤسسية لا توفرها ميزانية حكومية تُخصِّص للصحة أقل من 8% من إجمالي إنفاقها.
67. إن ضعف منظومة الفحوصات التشخيصية، وقصور متابعة البروتوكولات العلاجية، وحصر خدمات البرامج في 54 مرفقاً يُشكّل 31.8% من إجمالي 170 مرفقاً في ولاية الخرطوم، وغياب نظام تمويل صحي مستدام — تُمثّل معاً رباعياً من الإخفاقات المتشابكة التي لا يُعالج أحدها دون معالجة الآخر. وكل يوم تأخير في سد هذه الفجوات يُسهم في زيادة العبء الوبائي، وتراكم الوفيات القابلة للوقاية، وتنامي خطر المقاومة الدوائية التي ستُكلِّف المستقبل أضعاف ما تُكلِّفه معالجة الخلل اليوم.
68. وتُوصي هذه الورقة بأن تُبادر وزارة الصحة في ولاية الخرطوم بالتنسيق مع الوزارة الاتحادية والشركاء الدوليين إلى وضع خطة عمل تفصيلية ذات آفاق زمنية واضحة تُعالج الأبعاد الأربعة معاً: توسيع التغطية المؤسسية لتشمل جميع المرافق الـ170، وتطوير منظومة الفحوصات التشخيصية، وتعزيز متابعة البروتوكولات العلاجية، وإصلاح منظومة التمويل الصحي نحو نظام تأمين شامل مستدام على غرار التجارب الناجحة في رواندا وتايلاند.
هذه التوصية وضعت بالكامل في الخطةالاستراتجية (خارطة الطريق) الخمسية 2026-2030 بوزارة الصحة ولاية الخرطوم.
—
المراجع
1. World Health Organization. Global technical strategy for malaria 2016–2030, 2021 update [Internet]. Geneva: WHO; 2021 [cited 2026 Mar 1]. Available from: https://www.who.int/publications/i/item/9789240031357
2. The Global Fund to Fight AIDS, Tuberculosis and Malaria. Results report 2023 [Internet]. Geneva: The Global Fund; 2023 [cited 2026 Mar 1]. Available from: https://www.theglobalfund.org/en/results/
3. Joint United Nations Programme on HIV/AIDS (UNAIDS). Global AIDS update 2023 — The path that ends AIDS [Internet]. Geneva: UNAIDS; 2023 [cited 2026 Mar 1]. Available from: https://www.unaids.org/en/resources/documents/2023/global-aids-update-2023
4. World Health Organization. World malaria report 2024 [Internet]. Geneva: WHO; 2024 [cited 2026 Mar 1]. Available from: https://www.who.int/publications/i/item/9789241565721
5. World Health Organization. Global tuberculosis report 2024 [Internet]. Geneva: WHO; 2024 [cited 2026 Mar 1]. Available from: https://www.who.int/publications/i/item/9789240101692
6. Federal Ministry of Health Sudan. Sudan national health strategy 2017–2030. Khartoum: FMOH; 2017.
7. Severe Malaria Observatory. Sudan country statistics — malaria facts 2022–2023 [Internet]. [cited 2026 Mar 1]. Available from: https://www.severemalaria.org/statistics-facts-by-country/sudan
8. The World Bank. Incidence of tuberculosis (per 100,000 people) — Sudan [Internet]. Washington DC: World Bank; 2024 [cited 2026 Mar 1]. Available from: https://data.worldbank.org/indicator/SH.TBS.INCD?locations=SD
9. Eltigani O, Ahmed A, Khalil M, et al. Sudan’s war and the burden of HIV: a call for urgent international intervention. Lancet. 2025;405(10482):935–937.
10. Ministère de la Santé du Maroc. Rapport national de lutte antituberculeuse 2022. Rabat: Ministère de la Santé; 2022.
11. National Tuberculosis and Leprosy Programme Tanzania. Annual report 2022. Dar es Salaam: NTLP; 2022.
12. Ministry of Health Rwanda. National HIV/AIDS programme annual report 2023. Kigali: MOH Rwanda; 2023.
13. African Union. Abuja declaration on HIV/AIDS, tuberculosis and other related infectious diseases. Abuja: African Union; 2001 Apr 27.
14. Falzon D, Jaramillo E, Schünemann HJ, Arentz M, Bauer M, Bayona J, et al. WHO guidelines for the programmatic management of drug-resistant tuberculosis: 2011 update. Eur Respir J. 2011;38(3):516–28.
15. World Health Organization. National antimalarial treatment guidelines for the African region. Brazzaville: WHO AFRO; 2020.
16. Joint United Nations Programme on HIV/AIDS (UNAIDS). 95-95-95: An ambitious treatment target to help end the AIDS epidemic [Internet]. Geneva: UNAIDS; 2020 [cited 2026 Mar 1]. Available from: https://www.unaids.org/en/resources/documents/2017/90-90-90
17. World Health Organization Regional Office for the Eastern Mediterranean. Sudan HIV/AIDS country profile 2020. Cairo: WHO EMRO; 2020.
18. World Health Organization Regional Office for the Eastern Mediterranean. Tuberculosis programme report — Sudan 2022. Cairo: WHO EMRO; 2022.
19. World Health Organization. The world health report 2000 — Health systems: improving performance. Geneva: WHO; 2000.
20. World Health Organization. Tracking universal health coverage: 2023 global monitoring report [Internet]. Geneva: WHO; 2023 [cited 2026 Mar 1]. Available from: https://www.who.int/publications/i/item/9789240080379
21. Munge K, Briggs AH. The progressivity of health care financing in Kenya. Health Policy Plan. 2014;29(7):912–920.
22. Lagomarsino G, Garabrant A, Adyas A, Muga R, Otoo N. Moving towards universal health coverage: health insurance reforms in nine developing countries in Africa and Asia. Lancet. 2012;380(9845):933–943.
23. Ministry of Health Sudan. Health sector financing overview — Sudan 2022. Khartoum: FMOH; 2022.



