الأخبار المحلية

البروفيسور أحمد الطيب محمد أحمد

بقلم بله احمد

مفجّر ثورة التعليم العالي الثانية في السودان*
لم يكن البروفيسور أحمد الطيب محمد أحمد اسما” عابرا” في سجل التعليم العالي بالسودان، بل كان علامة تحوّل ورجل لحظة تاريخية أدرك فيها أن فلسفة التعليم إن لم تتغيّر ستتحوّل إلى أداة إقصاء بدل أن تكون وسيلة تنمية.
لم يكن صوته عاليا” لكن فكرته كانت عالية ومدوّية، وكانت هذه الثورة لا تُرى… بل ثورة تُسمَع.
فبعد أن أسست ثورة التعليم العالي الأولى لقيام جامعة في كل ولاية، جاءت رؤيته لتفجّر الثورة الثانية؛ ثورة لم تنشغل بالمباني بقدر ما انشغلت بالإنسان، ولم تقف عند حدود الجغرافيا بل عابرة.
كانت ثورة التعليم العالي الثانية صوتا” خرج من الصمت، لا من المنصّات.
كانت ثورة السؤال الجوهري:
*من الذي ما زال خارج التعليم؟ ولماذا؟*
حينما عجزت الطرق في الوصول تكلّم العلم… ووصل.
من موقعه مديرا” لإدارة التعليم عن بُعد بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي رأى بوضوح ما غفل عنه كثيرون:
أن التعليم المقيم رغم أهميته ودورة في التنمية ظل ظالمًا لفئات واسعة من المجتمع السوداني؛
حرمتهم الظروف الاقتصادية من الانتقال وينطبق عليهم المثل العين بصيرة واليد قصيرة
وأقصتهم الجغرافيا بوعورة الطرق وتباعد المسافات،
وأبعدتهم العوامل الاجتماعية بتقدم أعمار الوالدين،
وعقّدت وصولهم التعددية الثقافية واللغوية.
البروفيسور كان الرجل الذي سمع أنين البعيدين قبل أن يسمع تصفيق القريبين.
هنا فجّر فكرته الكبرى: جامعة السودان المفتوحة تحت شعار التعليم للجميع.
لم تكن مجرد جامعة جديدة بل فلسفة تعليمية مختلفة أعادت تعريف مفهوم الجامعة ذاته.
لم تطرق الأبواب بل أيقظت العقول من خلف الجدران.
جامعة لا تنتظر الطالب في العاصمة يأتي اليها بل تلحق به في مدينته وقريته وفريقه وتجوالة.
جامعة جعلت للمعرفة صدى، لا عنوانًا فقط.
جامعة جعلت من السودان كله حرما” فضاءا” جامعيًا مفتوحًا.
لم ترفع شعارات بل رفعت أصوات من حُرموا طويلًا من النطق بالفرصة.
بهذا التحول، انتقل التعليم العالي من منطق “المكان” إلى منطق “الفرصة”،
ومن حصرية النخبة إلى شمول المجتمع،
ومن المركزية الجامدة إلى الانتشار العادل.
قال للتعليم: اخرج من صمتك، فالناس في انتظارك.
لقد جعلت ثورة التعليم العالي الثانية جامعة في كل مدينة وقرية،
وفتحت أبوابها لمن ظنوا أن قطار التعليم قد فاتهم،
فصار التعليم ممكنًا لمن يعمل، ولمن كبر سنه، ولمن حالت بينه وبين الجامعة المسافات واللهجات.
حين تكلّم أحمد الطيب محمد أحمد، تحرّك التعليم من مكانه.
إن البروفيسور أحمد الطيب محمد أحمد لم يُنشئ مؤسسة فحسب،
بل أعاد كتابة العلاقة بين الدولة والمواطن في حق التعلم،
وأثبت أن أعظم الثورات التعليمية هي تلك التي تُحدث أثرها في صمت،
لكن صداها يبقى طويلًا في حياة الناس.
فجّر الثورة حين أنصت لا حين خطب.
ولهذا استحق بجدارة أن يُوصف بأنه
مفجّر ثورة التعليم العالي الثانية في السودان؛
ثورة الإنسان قبل البنيان،
وثورة العدالة قبل الشهادة.
هكذا تُفجَّر الثورات: فكرة صادقة، وصوت يصل، وإن خرج همسا”.
ثورة سُمِعت قبل أن تُكتب، وعُرفت بأثرها لا بضجيجها.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى