
اليوم رحل من اسرتنا شيء لا يعوض.
رحلت متاب ابنة اختي ولم تكن مجرد طفلة بل كانت نسمة الاسرة التي اذا دخلت المجلس ازاحت عنه الغبار واذا ابتسمت بدلت حالنا من تعب الى طمأنينة.
كان يحبها الصغير قبل الكبير لا لانهم مجبرون على ذلك بل لانها كانت قريبة من القلب بطبيعتها. في عينيها سؤال دائم وفي كلماتها دهشة لا تشبه عمرها. لغتها أوسع من سنواتها واستيعابها أكبر من قامتها القصيرة الصغيرة. كانت تتحدث فتصغي لها الجلسة كأنها تحمل سرا صغيرا من اسرار الفهم المبكر.
متاب لم تكن طفلة عابرة في دفتر العائلة كانت معنى. كانت ضحكة في صباح ثقيل وكانت حضنا سريعا قبل ان تنشغل باللعب. كانت تعرف كيف تقول لماذا في الوقت المناسب وكيف تضحك حين يضيق الكبار بما لا يحتمل.
وابوها عمران كان لها ظلا إذا اشتد الهجير وسندا اذا مال الدهر وظهرا” لا ينحني الا لله. كان يراها فيكبر بها ويرعاها فيفخر بها ويحلم لها بمستقبل يليق بنقائها وصفائها. واليوم يقف عمران امام قضاء الله بقلب موجوع وصبر مرجوع ولسان يلهج بالحمد رغم الدموع.
وامها اماني كانت لها قلبا” قبل ان تكون اما” وحضنا” قبل ان تكون اسما” وأمانا” يسبق الخوف وحنانا” يسبق الدمع. كانت تمسح على شعرها فيسكن البيت وتضمها الى صدرها فيهدأ الكون. واليوم تبكي اماني قطعة من روحها وتحتسب فلذة كبدها عند رب كريم لا تضيع عنده الودائع ولا تخيب عنده الاماني.
الموت حين يختار طفلا” يترك في القلب سؤالا” اكبر من الاجابة. يعلمنا ان الحياة ليست بطولها بل باثرها. ومتـاب رغم قصر الطريق تركت اثرا لا يمحى. تركت لنا صوتها وحركاتها ودفء حضورها في زوايا البيت.
في السودان المثقل بالاحزان تعلمنا ان ندفن احبابنا ونقول الحمد لله على كل حال. لكن الحقيقة ان الفقد لا يعتاده قلب. غير اننا نؤمن ان من احبهم الله اختارهم الى جواره رحمة بهم وبنا.
رحلت متاب وبقيت فينا نسمة. نسمة لا تغيب وان غاب الجسد.
اللهم اربط على قلب عمران واماني والهمهما صبرا جميلا واجعل متاب طيرا من طيور الجنة واجعل ذكراها نورا لا ينطفئ.
الخال المكلوم


