
كتبت الزميلة الأستاذة رشان أوشي مقالاً بعنوان “مدينة العطش والعتمة.. الخرطوم تحت مقصلة الفشل”، رسمت فيه صورة مؤلمة للعاصمة، مستندة إلى مشاهد يومية يعيشها المواطن بين انقطاع المياه والكهرباء، وتردي الخدمات، وتأخر إعادة الإعمار. وهو مقال قد يراه البعض قاسياً، لكنه يثير سؤالاً مهماً: هل كانت الكاتبة تصف الخرطوم أم تدق ناقوس الخطر؟
في تقديري، لا ينبغي أن ننظر إلى مثل هذه المقالات باعتبارها خصومة مع المدينة، وإنما محاولة لتحديد مواطن الخلل التي تحتاج إلى إصلاح. فالخرطوم قبل الحرب لم تكن جنة الله في الأرض، كما أنها بعد الحرب ليست مدينة ميؤوساً منها. كانت فيها الإيجابيات والسلبيات، ثم جاءت الحرب فأثقلت كاهلها، وأصابت الإنسان والعمران والخدمات، حتى غدت جراحها ظاهرة لكل عين.
وأثناء قراءتي للمقال، تذكرت حكاية قديمة عن رجل وقف على باب مدينة متردداً بين الدخول والعودة. سأل أول الخارجين عنها، وكان رجلاً لا يرى إلا مواطن الفساد، فأخبره بما فيها من معاصٍ وسوء أحوال، فكاد أن يعود أدراجه. ثم جاء رجل آخر، فحدثه عن المساجد، وأهل الخير، وكرم الناس، وطمأنينة الحياة فيها، فازداد حيرة.
وبينما هو كذلك، مر شيخ حكيم، فسأله: أي الرجلين أصدق؟ فابتسم الشيخ وقال كلمته البليغة: “دا في… ودا في… لكن إنت الدايرو بتلقاه.”
هذه العبارة ليست دعوة لتجاهل الواقع، وإنما تذكير بأن الحقيقة أوسع من زاوية نظر واحدة. ففي كل مدينة من يرى النصف الفارغ من الكأس، ومن يرى النصف الممتلئ. والحكمة أن نرى الاثنين معاً.
الخرطوم اليوم تعاني، وهذا لا يمكن إنكاره. لكنها أيضاً مدينة بدأت تستعيد نبضها شيئاً فشيئاً. هناك مدارس أعادت فتح أبوابها، وأسواق عادت إليها الحركة، وأسر اختارت العودة رغم قسوة الظروف، وشباب ينظفون الأحياء، ومواطنون يتعاونون لإعادة الحياة إلى ما دمرته الحرب. وهذه الصور لا تقل صدقاً عن صور العطش والعتمة.
لن تعود الخرطوم إلى سابق عهدها بقرار إداري وحده، ولا بمقال صحفي مهما بلغت قوته، وإنما تعود حين يلتقي النقد المسؤول مع العمل المسؤول. تعود عندما تتحمل الدولة مسؤوليتها في توفير الخدمات الأساسية، ويتحمل المجتمع مسؤوليته في البناء والإعمار، ويعود أبناؤها إليها حاملين الأمل قبل حقائب السفر.
وبين سطور الأستاذة رشان أوشي، وبين أحاديث الأصدقاء الذين عادوا إلى الخرطوم، نجد هذه الصورة وتلك، ونسمع هذا الرأي وذاك. لكن الحقيقة التي لا خلاف حولها هي أن الخرطوم وطن، والوطن لا يُترك لأنه جريح، بل يُضمد جرحه بأيدي أبنائه.
ستعود الخرطوم بإذن الله، لا لأنها خالية من الأزمات، بل لأن فيها رجالاً ونساءً يؤمنون بأن الأوطان تُبنى بالإرادة، وأن الحروب مهما طالت لا تستطيع أن تهزم شعباً قرر أن يبدأ من جديد.
يا الخرطوم… يا العندي جمالك، سنعود إليك، نحمل المعاول قبل الكلمات، ونغرس الأمل قبل أن نرفع الجدران، فالأوطان لا يعمرها إلا أهلها، ولا يكتب مستقبلها إلا أبناؤها.



