الأخبار المحلية

سفر القوافي محمد عبدالله يعقوب

..

من ظن أن تكون اللغة العربية هي اللغة الأم كشرط أساسي في الإبداع الشعري السوداني، فهو مخطئ بكل المقاييس، لأن الشاعر السوداني الكبير ( مارشال أدب وفن مناهضة الإستعمار الإنجليزي للسودان ) خليل أفندي فرح والذي وُلد بقرية دبروسة بحلفا القديمة بالولاية الشمالية عام 1894 من أب محسي وتلقى تعليمه الأول بجزيرة صاي ، ثم انتقل إلى دنقلا لمواصلة تعليمية وبعدها التحق بكلية غردون ووصل إلى الخرطوم صبياً ، كانت الرطانة مؤثرة جدا على لغته العربية، وبالرغم من ذلك استطاع أن يجيدها بالفصحى والعامية فقدم لمكتبة الغناء السوداني باقة من الأغنيات والأناشيد والأهازيج التي حارب بها المستعمر الغاشم وشكَّل بها وجدان أهل السودان حباً وعشقاً ، حتى غدى شعره يُعرف ب (أدب الخليل).
كما أنه كان من أوائل المثقَّفين الذين نادوا بتعليم المرأة حتى رحل عن دنيانا الفانية في 30 يونيو عام 1932م.
كتب المبدع خليل فرح (أذكر بقعة أم درمان ، الشرف الباذخ ، فوق جناين الشاطئ، الشرق نورو ازدان ، بلى جسمي ، تم دورو دور، خيل الضل، رفاعة، صباحك مالو، عزة في هواك، فلق الصباح، في الضواحي وطرف المداين، ماهو عارف قدمو المفارق، ميل وأعرض، ودمدني)، وغيرها من الروائع المحفوظة طوال هذه السنوات في قلوبنا بل حتي طلاب كلية الموسيقى بجامعة السودان يُدربون في التكنيك الصوتي على الأعمال الفنية التي أتى بها الخليل لاغيره .
وفي قصيدته (فوق جناين الشاطئ) التي قال رواة أغنيات الحقيبة إنه كتبها في إحدى فتيات روما وكانت تُقيم بالخرطوم، فإنه في هذا النص يؤكد ملكته الشعرية وذخيرته اللغوية العالية رغم أن النص عامي، إلا أن لغته رفيعة وسلسة وعالية التشبيب وتُخبر عن ثقافته بالعالم من حولنا في عهد كان عدد الأميين في السودان بنسبة أربعة أميين في كل خمسة أشخاص. ويؤكد النص أيضاً تأثره بشعراء النسيب من الفحول وحتي لا أحول بينكم والخليل فلنقرأ (جناين الشاطئ) معاً :
فوق جناين الشاطي وبين قصور الروم
حَيِّ زهرة روما و ابكي يا مغروم
دُرّة سالبة عقولنا لَبَّسوها طقوم
ملكة باسطة قلوبنا تبين عليها تحوم
الطريق إن مرّت بالخلوق مزحوم
كالهلال الهلَّ الناس عليها تهوم
شوف عناقيد ديسا تقول عنب في كروم
والوريد الماثل زي زجاجة روم
القوام اللادن والحشا المبروم
والصدير الطامح زي خليج الروم
خلي جات مرنوعة الصافية كالدينار
في القوام مربوعة وشوفا عالية منار
موضة وآخر موضة هيفا غير زنّار
روضة داخل روضة غنى فوقا كنار
الجبين الهلَّ ضوّا فيه فنار
مِنُّو هَلَّ الشارع مِنُّو بَقَّ ونار
طالعة ما بتتقابل زي لهيب النار
تحرق البِتْهابَل وللبعيد في نار .
هذه القصيدة كتبها الراحل في اواخر عشرينات القرن الماضي ، والٱن لو اطلق وزير الثقافة والإعلام والسياحة الاستاذ خالد الإعيسر مسابقة في النسيب لتقاصر عن قامتها كل شعراء بلادي ، لأن خليل فرح كان يكتب بمشاعر وأحاسيس غادرت الدنيا عقب رحيله ولن تعود أبدا . رحمه الله .
خروج أول
ليس هناك أية بادرة أمل في أن تجدد الأحزاب السياسية في السودان جلدها لتواكب المتغيرات الراهنة ، ولو من باب التغيير ليس إلا، وهناك من يرون أن قيادات أحزابنا لا يمكن تغييرها فهي كالعلب في سير ماكينة المصانع لا يمكن أن تتخطى الواحدة الأخرى حتى تدخل التي أمامها في «الكرتونة».
والشيء الوحيد الذي يغيِّر جلده في السودان ويجدد دماءه هو الجيش، أي القوات المسلحة. فكل عظيم فيها يُدرك ويوقن بحتمية التغيير، والصغير يعلم أنه سيأتي إلى سدة القيادة ولو بعد حين. لذلك تحتفظ المؤسسة العسكرية بشبابها وانضباطها وعنفوانها وقدرتها على اتخاذ القرارات الصائبة، ولا تهتز إدارتها إطلاقاً. ويقدر أفرادها بعضهم حتى الذين يغادرون إلى المعاش لهم ذات الهيبة والجلال من الذين خلفوهم أن التقوا بهم في أي محفل ويخاطبونهم بذات الأدب العسكري القديم «مرحب سيادتك» ولكن ديناصورات السياسة لا يشيخون ولا يكلون ولا يملون وكأنهم شربوا إكسير الحياة الأبدية وحتى في الفن فإن بعض الديناصورات شاخت أصواتهم وتوقَّفت حناجرهم عن الغناء ولكنهم مازالوا يتمسكون ب«المايك» ويحيون الجمهور «ويتممون» على النجومية صباح كل يوم، بل يحاولون إنتاج الجديد. والغريب حتى الطبيعة تؤمن «بتعاقب النبت» وتحل أشجار جديدة محل القديمة في متوالية يشرف عليها الخالق عزَّ وجلَّ في تنظيم بديع، ولم تفكر شجرة في أن تمكث أكثر مما هو مقرر لها ولكن الديناصورات السودانية عصية على كل شيء وسنظل نردد ذات الأسماء في عالم السياسة المحلية حتى العام 2050 لذلك لن تأتي الانتخابات القادمة ( إن وجدت ) بجديد .

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى