الأخبار المحلية

حين تتحول المؤسسات إلى غابات… ويُكافأ الصمت ويُعاقَب الحق

البروفيسور/ بله احمد بلال

اصبحت كثير من مؤسساتنا لا تشبه الغاية التي أُنشئت من أجلها بل تحوّلت في وعي المواطن وواقعه إلى غاباتٍ تحكمها ذئاب لا صوت فيها للعدل ولا مكان للضعفاء ولا قيمة للحقوق إن لم تُغلف برشوة، أو تُشترى بولاء، أو تُدفن تحت صمتٍ عميق.
في هذه الغابة المؤسسية يُرفع شعار القانون عاليًا في الخطب واللافتات لكنه لا يهبط إلى أرض الواقع إلا حين يكون الخصم ضعيفًا أو أعزل. يُطبَّق القانون بصرامة على من لا سند له ويُعلَّق أو يُؤجَّل حين يكون الطرف الآخر من أصحاب النفوذ أو القريب من دوائر القرار. وهكذا يتحول القانون من ميزان عدالة إلى أداة انتقائية تُستخدم متى شاؤوا، وتُعطَّل متى تعارضت مع مصالحهم.
أما الحقوق، فقد أُفرغت من معناها الطبيعي. لم تعد تُنال بالاستحقاق ولا تُسترد عبر القنوات المشروعة بل تمر عبر ممرات خفية مظلمة عنوانها الرشوة، ووسيطها الخوف، وثمنها الكرامة. من يرفض هذا الطريق يُترك وحيدًا يواجه التعقيد والتسويف، ومن يقبله يُكافأ مؤقتًا، إلى أن يُطلب منه صمتٌ أعمق وتنازلٌ أكبر.
وفي قلب هذه المنظومة المختلة، تُمنح المناصب لا للكفاءة ولا للنزاهة بل لمن يتقن فن الصمت، أو يجيد التصفيق في الوقت المناسب أو يحسن غضّ الطرف حين تُنتهك القيم وتسلب الحقوق. يصبح المنصب مكافأة على الطاعة، لا تكليفًا بالخدمة، وتُستبدل معايير الأداء بمعايير الولاء. وهنا تتكرّس ثقافة خطيرة: كلما صمتَّ أكثر، صعدتَ إلى العلا أسرع، وكلما تكلمتَ وقلت لا عوقبت بالإقصاء والعزل من الاقران.
لسان حال كثيرين اليوم يختصره مقولة [ البريدو الشيخ أنا بريدوا ]عبارة تبدو عاطفية في ظاهرها، لكنها في عمقها تعبّر عن علاقة مختلّة بين المواطن والسلطة: حبٌّ بلا مقابل، وولاء لا يُكافأ، وصبر يُقابل بالجحود. يقول المواطن “أنا بريدو” رغم الظلم والتهميش والإقصاء، وكأن حب الوطن صار يُستَخدم لتبرير سلب الحقوق لا لصونها.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الذئاب التي تحكم هذه الغابة، بل في اعتياد المجتمع على المشهد، وفي تطبيع الفساد باعتباره “أمرًا واقعًا”، والرشوة بوصفها “حلًا عمليًا”، والصمت على أنه “حكمة”. عند هذه النقطة يبدأ الانهيار الأخلاقي، الذي يسبق دائمًا أي انهيار سياسي أو اقتصادي.
إن إصلاح المؤسسات لا يمكن أن يكون مجرد شعارات تُرفع في المؤتمرات ولا نصوصًا قانونية تُكتب بعناية ثم تُفرَّغ من مضمونها عند أول اختبار. الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تُكسر الحلقة المفرغة التي تحمي الفاسدين، وحين تُعاد هيكلة المؤسسات على أساس الشفافية والمساءلة والرقابة لا على أساس الولاء والمحسوبية. لا قيمة لأي إصلاح ما لم يُربط المنصب بالمسؤولية، وإذا لم تُفعَّل المحاسبة دون استثناء، بحيث لا يكون الموقع الوظيفي ولا القرب من مراكز النفوذ حصانة ضد المساءلة.
ويقتضي الإصلاح المؤسسي كذلك توفير حماية حقيقية للمبلّغين عن الفساد، وتشجيع ثقافة قول الحقيقة بدل معاقبة أصحابها. فلا يمكن لموظف شريف أن يواجه شبكة فساد منظمة دون غطاء قانوني واضح، ودون قضاء مستقل وسريع، لا يخضع للتوجيه ولا يضيع في دهاليز التسويف. كما أن تفكيك ثقافة الخوف داخل المؤسسات شرطٌ لا غنى عنه، فالمؤسسة التي يُدار أفرادها بالخوف لا تنتج إلا الطاعة العمياء، ولا تصنع إصلاحًا ولا تنمية.
ولا يكتمل الإصلاح دون إعادة الاعتبار لمبدأ الكفاءة في التعيين والترقي عبر معايير واضحة وعلنية، تخضع للرقابة والتقييم المستمر. حين يشعر المواطن أن المؤسسات تُدار بعقول مؤهلة ونزيهة، يستعيد ثقته تدريجيًا في الدولة، وحين يدرك الموظف أن اجتهاده هو طريقه الوحيد للتقدم، لا صمته ولا ولاءه، يبدأ التغيير الحقيقي من الداخل.
إلى أن يتحقق ذلك، ستظل كثير من مؤسساتنا غاباتٍ مفتوحة، وسيظل الضعفاء فريسه سهلة، وسيبقى السؤال معلقًا بلا إجابة: إلى متى يُطبَّق القانون على الضعفاء فقط؟ وإلى متى يُكافأ الصمت، ويُعاقَب من يطالب بحقه؟

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى