الأخبار المحلية

حين يعود الناس إلى بيوتهم… وتعود الدولة إلى جيوبهم

لؤي اسماعيل مجذوب

لم تعد المشكلة في الحرب نفسها، بل في ما جاء بعدها.
الحرب كانت واضحة؛ رصاص ودخان ونزوح وخسارات تُرى بالعين. أما ما بعد الحرب فهو أخطر لأنه يحدث ببطء، بلا ضجيج، لكنه يمس كرامة الناس كل صباح.
الناس لم يعودوا لأن الحياة أصبحت سهلة، بل لأنهم صدقوا أن الوطن فتح بابه من جديد. عادوا بحقائب أقل مما خرجوا به، وبقلوب أثقل مما يحتمل البشر، يحملون تعب النزوح وديون الغربة وقلق المستقبل، ظانين أن الدولة — ولو متأخرة — ستقف هذه المرة في صفهم. لكن الذي حدث أن كثيرين وجدوا أنفسهم أمام دولة لم تتغير، فقط استبدلت صوت المدافع بإيصالات السداد.
الأب الذي عاد ليبحث عن مدرسة لابنته لم يجد مقعداً بل فاتورة.
والشاب الذي نجا من النزوح ليكمل جامعته لم يجد قاعة دراسة بل رقماً مالياً يستحيل دفعه.
والأسرة التي دخلت بيتاً لتبدأ من الصفر فوجئت بأن عليها أن تدفع ثمن سنوات لم تعشها أصلاً.
هذه ليست حوادث فردية. هذه صورة مرحلة كاملة.
الدولة، في لحظة كان يفترض أن تخفف فيها القبضة، شدّت أصابعها أكثر. وكأن المؤسسات لم تسمع شيئاً عن حرب وقعت، ولا عن اقتصاد انهار، ولا عن مجتمع خرج نصفه من بيوته. اللوائح القديمة عادت كما هي، بنفس العقلية التي كانت ترى المواطن رقماً في دفتر التحصيل لا إنساناً خرج لتوه من كارثة وطنية.
أخطر ما بعد الحروب ليس الخراب المادي، بل الإحساس الجماعي بالخذلان. حين يشعر المواطن أن الدولة التي صمد لأجل بقائها تستقبله بالجباية لا بالاحتواء، يبدأ الشرخ الحقيقي. لأن الجيوش تحمي الحدود، لكن العدالة وحدها تحمي الداخل.
الناس لا تطلب إعفاءً دائماً ولا صدقات حكومية. ما يطلبونه أبسط من ذلك بكثير: أن تعترف الدولة بأن ما حدث استثنائي، وأن التعامل معه يجب أن يكون استثنائياً أيضاً. لا يمكن إدارة مجتمع خرج من الحرب بنفس عقلية زمن الاستقرار. هذا خطأ استراتيجي قبل أن يكون خطأ إدارياً.
الدولة التي تريد الاستقرار لا تبدأ بتحصيل المتأخرات، بل بإعادة بناء الثقة.
ولا تقيس نجاح موظفيها بحجم ما جمعوه من الرسوم، بل بعدد الأعباء التي أزالوها عن الناس.
ولا تُظهر هيبتها في المخالفات والغرامات، بل في قدرتها على حماية الضعيف قبل محاسبة العاجز.
ما يحدث الآن يخلق شعوراً خطيراً: أن الحرب انتهت في الجبهات لكنها بدأت في حياة المواطنين اليومية. وكل إيصال يُفرض فوق طاقة الناس يتحول في وجدانهم إلى رسالة تقول إن معاناتهم لم تُفهم بعد.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالمجتمعات لا تنفجر فقط بسبب السلاح، بل بسبب الإحساس الطويل بالظلم الصامت. حين يعمل شاب ست عشرة ساعة ليبقى طالباً، وحين يفكر رب أسرة أن الهروب كان أرحم من العودة، وحين يبدأ الناس في مقارنة قسوة الحرب بقسوة الحياة بعدها… فهذه ليست شكاوى، بل مؤشرات إنذار مبكر.
المرحلة الآن ليست مرحلة حكم وسيطرة، بل مرحلة جبر خاطر وطن كامل. الدولة التي لا تُبطئ خطواتها لتنتظر شعبها المتعب ستجد نفسها تسير وحدها. والسلطة التي لا تسمع أنين الناس اليوم ستسمع غضبهم غداً، لأن الصبر الاجتماعي ليس مورداً لا ينفد.
ليس المطلوب خطابات ولا جولات رمزية ولا صور في الشوارع. المطلوب قرار شجاع يعترف بأن ما بعد الحرب يحتاج سياسة مختلفة: تجميد الرسوم الثقيلة، إعادة النظر في التعليم والخدمات، لجان طوارئ حقيقية لا شكلية، وتعليمات واضحة بأن كرامة المواطن أصبحت معيار الأداء الأول.
الناس لم تهزمهم الحرب، فلا يجوز أن تهزمهم الإجراءات.
الوطن لا يُبنى فقط بإغلاق الجبهات… بل بفتح الطريق أمام الذين عادوا وهم يظنون أن الدولة ستفتح لهم ذراعيها، لا دفاتر تحصيلها.
وعند تلك اللحظة فقط يمكن أن نقول إن الحرب انتهت فعلاً، لا لأن البنادق صمتت، بل لأن المواطن توقف أخيراً عن الشعور أنه يقاتل وحده.

*لؤي اسماعيل مجذوب*

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى