عودة لجنة التمكين وفضيحة بيع أسرار السودان للإمارات

الخرطوم : مرسال نيوز خاص البوابة الإخبارية
قبل أن تُحل ويعتقل قياداتها في أكتوبر 2021 ، لم تكن لجنة إزالة التمكين فقط أداة إدارية لتفكيك بنية النظام السابق ، لكنها تحولت وفق وثائق وتحقيقات أمنية إلى (دولة موازية) بصلاحيات فوق دستورية جمعت بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وبينما كان الرأي العام منشغلا بقراراتها المتعلقة بحل الأحزاب والنقابات ومسرحيات نزع الأراضي والمنازل و (رفد) الموظفين ، كان كوادر اللجنة يعملون في الظل على تحويل وبيع بيانات أجهزة الدولة لأطراف إقليمية، وفي مقدمتها دولة الإمارات .
فالفترة التي سبقت حل اللجنة واعتقال قادتها شهدت عملية تهريب منظمة للبيانات الحساسة التي كانت اللجنة قد استولت عليها بحكم صلاحياتها الاستثنائية، فبموجب المادة (7/ز) من قانون لجنة التمكين ، كانت اللجنة تملك صلاحيات رقابية مطلقة على أجهزة الدولة، دون تفويض واضح، ما أتاح لها الوصول إلى أرشيف جهاز المخابرات العامة، وقواعد بيانات السجل المدني، والمسجل التجاري، وحتى سجلات المكالمات والبيانات الجغرافية عبر شركات الاتصالات..
وبحسب مصدر أمني رفيع تحدث ل (البوابة الإخبارية) فإن اللجنة أنشأت وحدة تقنية موازية بالتعاون مع الدائرة الفنية في مليشيا الدعم السريع ، هذه الوحدة نسخت كميات هائلة من البيانات التي كان حتى جهاز المخابرات لا يملك تصنيفا لها، فلم يكن الأمر مجرد استرداد أموال ، بل كان مشروع سرقة معلومات استراتيجية، بحسب المصدر ..
في نوفمبر 2022 أجرى جهاز المخابرات العامة تحقيقا موسعا للاختراق الأمني للجنة التمكين بعد انكشاف علاقتها بالدعم السريع ، وقد ورد في التقرير أن عملية نقل البيانات لم تكن عشوائية، فقد تم تسليم نسخ من قواعد البيانات إلى أطراف إماراتية عبر وسطاء من رجال أعمال كانوا على صلة وثيقة باللجنة، وأشار التحقيق ان عملية التسليم تمت على ثلاث مراحل:
· المرحلة الأولى: تمت عبر الدائرة الفنية لمليشيا الدعم السريع وقد تضمنت قوائم بأسماء وأرقام وتفاصيل كاملة لموظفي الخدمة المدنية وكبار منتسبي الأجهزة الأمنية والعسكرية السابقين والحاليين ، إلى جانب عناوينهم وعلاقاتهم المالية، واستغلت اللجنة في ذلك الصلاحيات الممنوحة في المادة (7/د، 7/هـ) المتعلقة بإنهاء خدمات موظفي الدولة بناء على الولاء السياسي ..
· المرحلة الثانية: شملت بيانات حركة الأصول والعقارات المملوكة للدولة والشركات الكبرى، مستندة إلى صلاحيات المصادرة (المادة 4/3 و7/و) التي كانت تمارس دون حكم قضائي، فهذه البيانات تم تحويلها إلى خرائط استثمارية ساعدت جهات خارجية في رسم استراتيجيات نفوذها الاقتصادي في السودان..
· المرحلة الثالثة: والأكثر خطورة – حسب تحقيق المخابرات- فكانت تتعلق بملفات الاتصالات الأمنية والتفاصيل التقنية لشبكات المراقبة الداخلية ، وهو ما منح جهات أجنبية القدرة على اختراق الشفرات الأمنية السودانية لاحقاً في حرب 15 أبريل 2023 والتي قادتها مليشيا الجنجويد على الشعب السوداني .
وبحسب تقرير جهاز المخابرات العامة فإن اللجنة حوّلت المعلومات الضخمة التي وضعت عليها يدها إلى أداة ابتزاز مزدوجة، ففي الداخل تم استخدامها ضد القيادات السياسية والأمنية لدفعهم لتقديم تنازلات أو تسويات، وعلى المستوى الخارجي ، كانت الملفات تُقدّم كورقة مساومة لضمان دعم سياسي وإعلامي لقيادات اللجنة ضد خصومهم، ولاحقا تم توظيفها لتخدم سردية الحرب لصالح المليشيا، ويضيف التقرير أن : تمليك بيانات المخابرات السودانية لدولة مثل الإمارات يعني أن أبواب الأمن القومي السوداني كانت مفتوحة بالكامل، فلم تعد هناك أسرار عسكرية أو أمنية يمكن إخفاؤها، لأن كل ما جمعته اللجنة بتلك الصلاحيات المطلقة أصبح موجوداً في قواعد بيانات خارجية ..
اللافت أن قانون اللجنة كان قد منع أي رقابة قضائية فعالة، حيث نصت المادة (8/3) على عدم جواز وقف تنفيذ قراراتها حتى الفصل في الطعن، والمادة (12/3) تنص على أن قرارات اللجنة ملزمة، مما أعطى الغطاء القانوني لاستمرار عمليات التصعيد والتحكم في المعلومة حتى اللحظات الأخيرة قبل سقوط اللجنة ومن يقفون خلفها ..
وما بدا ظاهريا كصراع على السلطة بين أحزاب سياسية ومجموعات ثورية حاكمة ، يخفي قصة أكبر عن تحول مؤسسة استثنائية إلى أداة لنهب الأمن القومي، فالصلاحيات غير المسبوقة التي منحت للجنة إزالة التمكين، فتحت الباب أمام أخطر شكل من أشكال الفساد وهو الاتجار بالأسرار السيادية ..



