
في لحظات الأزمات لا تختبر الدول بندرة الموارد فقط بل بقدرتها على إدارة ما تملك بحكمة ومسؤولية. فكل قرار إنفاق يصبح عنوانا” لأولويات الدولة وكل جنيه يصرف يعكس إما وعيا” رشيدا” أو خللا في التقدير. وفي ظل واقع اقتصادي بالغ التعقيد تبرز الزيارات الرسمية للمسؤولين كواحدة من القضايا التي تستدعي وقفة جادة لإعادة النظر في جدواها وكلفتها بمنطق المصلحة العامة.
لقد تحولت الزيارات الرسمية التي يفترض أن تكون أداة للمتابعة الميدانية وتعزيز الأداء في كثير من الأحيان إلى مناسبات بروتوكولية مكلفة تستهلك موارد مالية معتبرة دون أن يقابلها أثر ملموس على تحسين الأداء المؤسسي أو جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتكشف تفاصيل هذه الزيارات حجم الإنفاق المصاحب لها. بدءا من تجهيز الصيوانات والكراسي والمكيفات. مرورا بأنظمة الصوت والمولدات الاحتياطية. وصولا إلى الضيافة وما تتضمنه من مشروبات وأطعمة. فضلا عن تكاليف التغطية الإعلامية والحوافز التنظيمية. ولا يقف الأمر عند ذلك. بل يمتد ليشمل مواكب المسؤولين وما تستهلكه من وقود. إلى جانب الترتيبات الأمنية واللوجستية. إضافة إلى ما تسببه هذه الزيارات من تعطيل للعمل داخل المؤسسات.
والمفارقة أن هذه الزيارات غالبا ما تقدم بوصفها دعما لإنجازات تحققت بالفعل رغم أن تلك الإنجازات نفذت أصلا” من المال العام. وهو ما يطرح تساؤلا مشروعا. هل يحتاج إنجاز ممول من خزينة الدولة إلى احتفاء مكلف من الخزينة ذاتها.
ولا خلاف على أهمية النزول الميداني للمسؤولين ولا على دور التواصل المباشر في رفع الروح المعنوية وتحفيز العاملين خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. غير أن هذه الأهداف يمكن تحقيقها بوسائل أكثر كفاءة وأقل تكلفة دون الانزلاق إلى مظاهر البذخ التي لا تتسق مع واقع التقشف الذي تفرضه المرحلة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة حقيقية لأولويات الإنفاق العام ووضع ضوابط صارمة للزيارات الرسمية بما يضمن تحقيق أهدافها بأقل التكاليف الممكنة. فإما أن توقف مؤقتا” حيث تنتفي الضرورة أو تنظم وفق معايير دقيقة تحد من الصرف غير المبرر.
فالمال العام أمانة لا يحتمل الهدر ولا يقبل التبرير وكل جنيه ينفق دون ضرورة هو انتقاص مباشر من حق المواطن في الخدمات الأساسية. ومن هنا فإن ترشيد الزيارات الرسمية لم يعد خيارا بل واجبا وطنيا تفرضه مصلحة البلاد في هذه المرحلة الحرجة.


