قرار مجلس الوزراء بحظر بعض السلع.. ما بين الرفض والقبول

بقلم: علاء الدين محمد ابكر
أثار قرار مجلس الوزراء الأخير بحظر استيراد قائمة من السلع جدلاً واسعاً في الشارع السوداني، وانقسمت الآراء حوله بين مؤيد يراه خطوة نحو حماية الصناعة الوطنية، ومعارض يعتبره عبئاً جديداً على كاهل المواطن. وبين الرفض والقبول، تبرز حجج الطرفين.
*أولاً: مبررات القبول.. حماية الجنيه ودعم المنتج المحلي*
يرى المؤيدون أن القرار يهدف إلى تحقيق عدة مكاسب استراتيجية:
1. *وقف نزيف العملة الصعبة*: استيراد السلع الكمالية والهامشية يستنزف احتياطي الدولة من الدولار في وقت تحتاج فيه البلاد لكل دولار لإعادة الإعمار واستيراد الدواء والقمح والوقود.
2. *تشجيع الصناعة الوطنية*: الحظر يمنح فرصة ذهبية للمصانع السودانية لتغطية السوق المحلي. عندما يُمنع استيراد الصابون المستورد، يزدهر مصنع الشمالية في انتاج صابونة “فنيك” الشهيرة . وعندما يُحظر السيراميك المستورد، تنتعش مصانع رأس الخيمة والمدينة المنورة.
3. *خلق فرص عمل*: كل مصنع يعمل يعني مئات الوظائف الجديدة للشباب، ويعني تقليل البطالة التي فاقمتها الحرب.
4. *السيادة الاقتصادية*: دولة تستورد كل شيء من الإبرة إلى الصاروخ لا تملك قرارها. الحظر خطوة أولى نحو الاكتفاء الذاتي.
من هذا المنطلق، يعتبر المؤيدون أن استثناء لبن البدرة وحليب الأطفال كان استجابة موفقة لمطلب إنساني، لكن بقية القائمة يجب أن تبقى لضمان نجاح الهدف.
*ثانياً: أسباب الرفض.. المواطن يدفع الثمن*
في المقابل، يرفع المعارضون عدة تحفظات جوهرية:
1. *الحكومة لا تستورد*: الدولة رفعت يدها منذ سنوات عن استيراد هذه السلع. المستورد هو القطاع الخاص بأمواله، فلماذا تمنعه؟ الحظر هنا لا يوفر دولاراً حكومياً أصلاً.
2. *ضعف البديل المحلي*: حظر الأسمنت كارثي في بلد يحتاج لإعمار آلاف المنازل والمصانع المدمرة. مصنع عطبرة ومصنع ربك لا يغطيان 30% من الطلب. النتيجة: ارتفاع جنوني في السعر واحتكار. المواطن البسيط العاجز عن ترميم بيته قبل الخريف هو الضحية.
3. *تشجيع التهريب*: كل تجارب الحظر في السودان أنتجت سوقاً سوداء. منع السكر سابقاً خلق مافيا تهريب. حظر الأسمنت سيفتح الباب لدخوله من مصر وإثيوبيا بأسعار مضاعفة، والحكومة ستخسر الجمارك والمواطن سيدفع أكثر.
4. *السلع ليست كلها كمالية*: الفول المصري والأرز أصبحت وجبة أساسية لملايين الأسر بعد الحرب. تصنيفها “كمالي” انفصال عن واقع الناس.
5. *توقيت غير مناسب*: المواطن خارج من حرب، فاقد لمدخراته، ونازح. أي قرار يرفع الأسعار الآن هو قرار قاسٍ حتى لو كانت نواياه سليمة.
*ثالثاً: المنطقة الرمادية.. أين الحل؟*
الحقيقة أن الطرفين يملكان جزءاً من الصواب. لا أحد ضد الصناعة الوطنية، ولا أحد يقبل بتجويع الناس. المشكلة ليست في مبدأ “الحظر”، بل في *آلية التطبيق والتوقيت*.
الحل ليس في “حظر شامل” أو “فتح شامل”، بل في *قائمة ذكية ومتدرجة*:
1. *الاستثناء العاجل*: كل مواد البناء والإعمار، وعلى رأسها الأسمنت ، يجب أن تُستثنى فوراً حتى تقف المصانع المحلية على قدميها وتغطي 80% من الطلب على الأقل.
2. *الحماية المتدرجة*: فرض جمارك عالية على السلع التي لها بديل محلي جيد، بدلاً من الحظر الكامل. هذا يمنح المصانع ميزة تنافسية دون خنق السوق.
3. *الشفافية*: نشر دراسة توضح حجم إنتاج المصانع المحلية من كل سلعة محظورة. إذا كان مصنع الصلصة يغطي 20% فقط من السوق، فحظر استيراد الصلصة يحتاج الي مراجعة
4. *مظلة تشريعية*: هنا يظهر فراغ غياب البرلمان. قرار بهذا الحجم كان يحتاج نقاشاً مجتمعياً وتمثيلاً نيابياً يوازن بين مصلحة الدولة ومصلحة المستهلك. مجلس الوزراء لا يجب أن يعمل بمعزل عن نبض الشارع.
*الخلاصة*: دعم الصناعة الوطنية واجب، لكن حماية المواطن أوجب. المعادلة الصعبة تتطلب حكمة لا حماساً، وتدرجاً لا صدمة. التراجع عن الخطأ شيمة الكرام، والمراجعة الشجاعة للقرار فضيلة، خاصة عندما يكون الخريف على الأبواب، والبيوت المتهالكة تنتظر كيس أسمنت بسعر معقول.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



