
بين نداء العودة وسيف المعاش المبكر: أي وطن يستقبل أبناءه؟
الوطن ينادي. الحكومة تنادي. الأقلام الوطنية ترفع صوتها: ارجعوا. عودوا إلى بيوتكم، إلى مكاتبكم، إلى مصانعكم.
لكن السؤال الذي لا يحتمل التجميل:
إلى أي بيت يعود المغترب؟
وأي مكتب ينتظره الموظف؟
في المنافي، اختار آلاف السودانيين حياة البسيط. رزق اليوم باليوم، سكن بالإيجار، عمل هامشي يحفظ ماء الوجه. اختاروا الغربة على الذل، لكنهم لم يختاروا النسيان. قلوبهم معلقة بالخرطوم وأم درمان والسودان
العودة حلم. لكن الحلم يصطدم بحائط الواقع.
أرقام تصفع الحلم…!
لجان الحصر والتخفيض خلصت إلى توصية صادمة: إحالة أكثر من 57 ألف موظف للمعاش المبكر أو إلغاء وظائفهم.
60% من العاملين بالحكومة الاتحادية على المحك. من الدرجة الأولى الخاصة حتى الدرجة 15 العمالية.
25% معاش مبكر، 35% إلغاء وظيفة.
اللجنة نفسها حذرت. حذرت من فقدان الكوادر المؤهلة. حذرت من عجز وزارة المالية عن توفير موارد القرار. حذرت من الأثر النفسي في مرحلة استثنائية لا تحتمل مزيداً من الكسر.
معادلة مستحيلة
من ناحية: بيوت مدمرة تحتاج مليارات لإعادة تأهيلها. كهرباء مقطوعة، مياه غائبة، مواصلات نار، وأسعار تفوق التصور لكل شيء.
ومن ناحية أخرى: قرار يلقي بعشرات الآلاف إلى الشارع بلا دخل، بلا أمان، في توقيت يحتاج فيه الوطن لكل يد وكل عقل.
فأي عاقل يطلب من موظف فقد وظيفته أن يعود لبيت مهدم؟
وأي منطق يقول للاجئ إن عد بلا ضمان عمل ولا سكن ولا كهرباء؟
المعادلة تحتاج حكمة لا قرارات مقص…..!!!!
الدولة لا تُبنى بمعاش مبكر جماعي، ولا تُعمر بالخطب الحماسية وحدها.
العودة تحتاج خطة. تحتاج ضمانات. تحتاج سكناً مؤقتاً، إعفاءات ضريبية، برامج تشغيل، إعماراً حقياً قبل النداء.
أما إفراغ الدولة من كوادرها تحت بند “التخفيض” فهو إفراغ للوطن من ذاكرته وخبرته. الخاسر الأول والأخير هو المواطن الذي سيجد نفسه أمام خدمة منهارة ودولة عاجزة.
الخلاصة المؤلمة…
إذا كانت العودة تعني الجلوس بلا عمل، والعيش بلا كهرباء، والدفع بلا مقابل، فالمنفى رغم قسوته يبقى أرحم.
وإذا كانت الدولة جادة في استرداد أبنائها، فعليها أن تسترد أولاً ثقتهم.
الوطن لا يُبنى بنداء في المايكروفون، بل بخطة على الأرض تجعل العودة شرفاً لا مجازفة.
حفظ الله السودان وأهله، وهدى صانعي القرار إلى ما فيه خير البلاد والعباد.



