الأخبار المحلية

قحت وإعلان المواقف

مرفأ الكلمات عثمان عولي

أثار الإعلان السياسي الذي صدر عن تحالف “تأسيس” وما تبعه من مواقف لقوى الحرية والتغيير جدلاً واسعاً في الساحة السودانية، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من أن تؤدي بعض الطروحات السياسية إلى تعميق الانقسام الوطني وإعادة إنتاج الأزمات التي دفعت السودان ثمناً باهظاً لها عبر تاريخه الحديث.
وعند قراءة المشهد الراهن، يرى كثير من المراقبين أن قوى الحرية والتغيير تمثل امتداداً سياسياً وفكرياً لتحالفات سابقة نشأت في إطار التجمع الوطني الديمقراطي خلال تسعينيات القرن الماضي، حينما دخلت أحزاب المعارضة في شراكة سياسية مع الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، وسعت إلى دعم مشروعها السياسي في مواجهة السلطة القائمة آنذاك.
ومن أبرز المحطات التي يستند إليها هذا الرأي “مقررات أسمرا للقضايا المصيرية” عام 1995م، والتي تضمنت الاعتراف بحق تقرير المصير لجنوب السودان، إلى جانب طرح قضايا المناطق المهمشة ضمن أجندة التفاوض السياسي. وقد اعتبرت تلك المقررات في حينها تحولاً كبيراً في مسار العمل المعارض، بينما رأى منتقدوها أنها فتحت الباب أمام مشروع انتهى بانفصال جنوب السودان لاحقاً.
وعندما تم توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005م، مُنح مواطنو جنوب السودان حق تقرير المصير عبر استفتاء حر، انتهى بإعلان دولة جنوب السودان المستقلة عام 2011م. ومنذ ذلك التاريخ ظل الجدل قائماً حول المسؤولية السياسية والتاريخية للقوى التي دعمت تلك المسارات، وحول ما إذا كانت قد أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الوصول إلى نتيجة الانفصال.
واليوم، ومع استمرار الحرب وتعقيدات المشهد السوداني، تتجدد المخاوف لدى قطاعات واسعة من السودانيين من أي ترتيبات سياسية أو عسكرية قد تقود إلى إنشاء سلطات موازية أو حكومات خارج إطار الدولة الوطنية الموحدة. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الحفاظ على وحدة السودان يجب أن يظل أولوية فوق كل الاعتبارات الحزبية والسياسية.
كما يعتقد هؤلاء أن الأزمة التي تواجه بعض القوى السياسية تكمن في ضعف القاعدة الجماهيرية وعدم قدرتها على تقديم برامج وطنية قادرة على استقطاب الشارع السوداني، الأمر الذي يدفعها ـ بحسب هذا الرأي ـ إلى البحث عن التحالفات العسكرية أو الدعم الخارجي لتعزيز حضورها السياسي.
وفي المقابل، تؤكد تلك القوى أنها تسعى إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية وإنهاء الحرب واستعادة مسار الانتقال السياسي، وهو ما يجعل الساحة السودانية أمام رؤيتين متباينتين لمستقبل البلاد، إحداهما ترى أن الأولوية هي حماية الدولة ووحدتها الوطنية، والأخرى ترى أن الحل يكمن في إعادة تأسيس النظام السياسي على أسس جديدة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتعلم النخب السياسية السودانية من دروس الماضي، أم أن السودان سيظل يدور في الحلقة ذاتها من الاستقطاب والصراعات التي أنهكت الوطن وأرهقت شعبه؟
إن المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً وطنياً مسؤولاً يضع وحدة السودان فوق الحسابات الحزبية الضيقة، ويؤسس لحوار سوداني ـ سوداني حقيقي يشارك فيه الجميع، بعيداً عن لغة التخوين والإقصاء، حفاظاً على ما تبقى من الوطن وصوناً لمستقبل أجياله القادمة .

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى