الأخبار المحلية

شريان الدعم الخفي: كيف أدارت أبوظبي لوجستيات الحرب في السودان؟

، .

تقرير : مرسال نيوز

لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في منتصف أبريل من العام 2023 مجرد مواجهة عسكرية مفاجئة، بل كانت -وفقاً للقراءات السياسية والميدانية- نتاج ترتيبات معقدة ومسبقة تجاوزت الحدود الجغرافية للبلاد. وتُشير التقارير الاستخباراتية والأممية المتطابقة إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة لعبت دوراً محورياً في تأهيل، وتدريب، وتمويل مليشيا الدعم السريع المتمردة لسنوات سبقت ثورة ديسمبر 2019، مستغلةً الطموحات الشخصية لقيادة التمرد بهدف التغلغل في مفاصل الدولة السودانية. ومع إطلاق الرصاصة الأولى، تحول هذا الاستثمار السياسي والمالي إلى غرفة عمليات عسكرية ودبلوماسية مفتوحة لإسناد المليشيا، مما ساهم في إطالة أمد الحرب لثلاث سنوات، وتعميق الأزمة الإنسانية في البلاد…..

السيادة الجوية
في الأيام الأولى للمواجهات، أحدثت الضربات الجوية المركزة للقوات المسلحة صدمة عنيفة للمليشيا المتمردة، لاسيما بعد تدمير معسكرات استراتيجية مثل معسكر “سركاب”، واستهداف برج الاتصالات الخاص بها، مما أدى إلى تشتت قواتها في العاصمة الخرطوم……. في تلك اللحظة الحرجة، بدأت ملامح التدخل الإماراتي تظهر للعيان عبرالإسناد التكنولوجي للتمرد و تفعيل خطوط الاتصال والترتيبات التي صممتها أبوظبي مسبقاً بين قيادة التمرد وبعض القوى المدنية (قوى الحرية والتغيير آنذاك) لتوفير غطاء سياسي للحرب.

اختراق دول الجوار
لم يكن لشبكات الإمداد الإماراتية أن تحقق هذا الزخم دون استغلال الممرات البرية والجوية لدول الجوار الإقليمي (تشاد، إثيوبيا، جنوب السودان، وليبيا)، والتي تحولت بعض نقاطها إلى محطات لوجستية لإدارة الحرب من غرفة قيادة وسيطرة مركزية اتخذت من أبوظبي مقراً لها.

تنقلت وسائل وأساليب الإمداد عبر جبهات متعددة تم رصدها بدقة شملت عدة مسارات وخطوط كالٱتي :

اولا … خط إفريقيا الوسطى (البداية المبكرة)
وشمل هذا المسار تدفق الدعم العسكري بالأسلحة والذخائر لمليشيا الدعم السريع عبر أراضي جمهورية إفريقيا الوسطى بعد 13 يوماً فقط من اشتعال الحرب. وهو ما وثقه رسمياً تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة الصادر وفقاً للقرار رقم (1591) الخاص بالفترة من مارس إلى يوليو 2023، والمرفوع لمجلس الأمن الدولي بتاريخ 14 أغسطس 2023.

ثانيا. الجسر الجوي والغطاء الإنساني (المسار التشادي)
استُخدمت المطارات التشادية، لاسيما مطار “أم جرس” والمهابط المؤقتة القريبة من الحدود، كقواعد لوجستية رئيسية. وتحت غطاء “المستشفى الميداني الإماراتي” والمساعدات الإنسانية، هبطت مئات طائرات الشحن العسكرية لتفريغ حمولاتها من السلاح والعتاد المتطور، ليتم نقلها براً لاحقاً إلى عمق دارفور من “أم جرس” إلى قاعدة الزرق الاستراتيجية بشمال دارفور. ومن مدينة أدري الحدودية إلى مدينة الجنينة، ومنها إلى بقية مناطق تمركز المليشيا….

تدويل لوجستي
امتدت أصابع الإمداد لتستغل مطار (بندر قاسم) الدولي في مدينة بوصاصو الصومالية والخاضع للنفوذ الإماراتي. حيث رُصدت رحلات مكثفة لطائرات شحن عملاقة من طراز إليوشن IL−76. تحمل أرقام التسجيل (RA76834) / RA76018/ RA76846 …بالإضافة إلى طائرة بوينج B763 ….. متجهة إلى العاصمة التشادية انجمينا بعد الحصول على أذونات عبور جوي من دولة جنوب السودان. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتدت الشبكة لتشمل موانئ ومطارات في دول مثل أوغندا، الكاميرون، وكينيا لتمرير شحنات الموت.

الدبلوماسية الموازية والحرب النفسية

وبالتوازي مع الدعم العسكري، قادت أبوظبي معركة دبلوماسية وإعلامية شرسة لحماية المليشيا المتمردة في المحافل الدولية…..
جيث سعت الدبلوماسية الإماراتية بكل ثقلها داخل المنظمات الإقليمية والدولية لإجهاض أي قرار أو مشروع يصنف مليشيا الدعم السريع جماعة إرهابية. حيث : أدارت أبوظبي آلة إعلامية ونفسية ضخمة استهدفت البرلمانات الغربية، الحكومات، ومراكز صناعة القرار، بهدف التشكيك في شرعية الحكومة السودانية والجيش الوطني، ومحاولة مساواته بالمليشيا في التقارير الدولية لتخفيف الضغط العقابي عن حلفائها.

إستحقاقات المحاسبة
تُظهر الحقائق والوثائق الميدانية أن الدعم الإماراتي لمليشيا الدعم السريع لم يكن مجرد انحياز سياسي عابر، بل هو عملية “هندسة جيوسياسية” ممنهجة تسببت في إطالة أمد الحرب لثلاث سنوات، مخلّفةً وراءها أكبر كارثة نزوح وإنسانية في العالم الحديث. إن استغلال الأجواء والموانئ الإفريقية، وتحوير لافتات العمل الإنساني لتمرير السلاح، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني حقيقي؛ إذ لم تعد الأزمة في السودان مجرد شأن داخلي، بل مواجهة مباشرة بين الدولة السودانية وشبكات تمويل عابرة للقارات، مما يستدعي تفعيل أدوات المحاسبة الدولية لقطع شرايين الدعم الخارجي كخطوة أولى وأساسية لإنهاء معاناة الشعب السوداني واستعادة استقرار المنطقة.

.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى