الأخبار المحلية

حين زففت ابنتي إلى ابن أخي… اكتمل الفرح

بروفيسور بله احمد بلال

*

في رحلة العمر تمر بالإنسان مناسبات تظل محفورة في الذاكرة لأنها لا تُفرح العين فحسب، بل تُطمئن القلب وتُغني الروح. وقد شهدت في حياتي زيجات كثيرة، بدأت بزواج أخواتي ثم تتابعت بزواج بناتي وكان لكل مناسبة عبقها ولكل فرحة مذاقها. غير أنني في هذه المرة عشت إحساسا” مختلفا” شعرت معه أن الفرح بلغ تمامه وأن السعادة اكتست ثوبا” جديدا” لم أعهده من قبل.
لم يكن ذلك لأنني أزف ابنتي ملاذ إلى بيت الزوجية فحسب، وإنما لأن العريس هو ابن أخي الأكبر يوسف فاجتمع في هذا الزواج شرف المصاهرة ودفء القرابة، وبركة صلة الرحم. عندها أدركت أن بعض الأفراح لا تُقاس بما يحيطها من مظاهر وإنما بما تتركه في النفس من سكينة، وما تغرسه في القلب من طمأنينة.
والأخ الأكبر في مجتمعاتنا ليس أخا” فحسب، بل هو بعد الأب سندا”، وبعده عونا”، وعند الشدائد ملاذ. لذلك لم أشعر أنني أغادر بابا” إلى باب، وإنما شعرت أنني أُهدي ابنتي إلى بيت أعرف أهله، وأطمئن إلى أصله، وأثق في معدنه، فخفَّ وقع الفراق، وعظم معنى اللقاء.
ولعل من جميل الموافقات أن يحمل العريس اسم مصطفى، تيمنًا بالمصطفى سيدنا محمد ﷺ، سيد الخلق وخير البرية، حبّا” لاسمه المبارك، ورجاء أن يكون للاسم أثرا” في السيرة والخلق. أما والده أخي الأكبر يوسف، فهو اسم نبي كريم ضرب أروع الأمثلة في العفة والصبر والوفاء، فكان الاسم عنوانا” لمعانٍ خالدة تتوارثها الأجيال. ووالدة العريس حليمة وهو اسم يذكر بـ حليمة السعدية مرضعة رسول الله ﷺ، بما يحمله من معاني الحنان والرحمة والعطاء. أما أم العروس أميرة، فقد كان اسمها دائمًا عنوانا” للعزة والكرامة، فاجتمعت في هذه الأسرة أسماء تستحضر قيما” نبيلة، قبل أن تكون مجرد ألفاظ تتردد على الألسن.
لقد ازددت يقينا” بأن الزواج لا يكون أجمل بثمن الحفل، ولا بزينة المكان، وإنما بجمال القلوب التي تجتمع عليه، وبصدق الدعوات التي تُرفع من أجله، وبالمودة التي تسبق العقد، وتبقى بعده. فإذا كانت المصاهرة تزيد الأرحام قربًا، وتغرس المحبة بين الأسر، فإنها تحقق واحدة من أسمى الغايات الاجتماعية التي دعا إليها ديننا الحنيف.
ولم تكن هذه المناسبة فرحا” عائليا” فحسب، بل كانت درسا” في أن صلة الرحم ليست شعارا” يُرفع، وإنما سلوكٌ يُعاش، وأن الأسرة التي تحفظ مودة أقاربها، وتغرس في أبنائها قيم الوفاء والتراحم، تظل أكثر تماسكًا في الرخاء، وأشد صلابة في الشدة.
أسأل الله أن يبارك للعروسين مصطفى وملاذ، وأن يجعل حياتهما قائمة على السكينة والمودة والرحمة، وأن يرزقهما الذرية الصالحة، وأن يديم على الأسر نعمة الألفة، ويحفظ الأرحام من القطيعة، ويجعل المحبة ميراثا” تتناقله الأجيال.
وختامًا أيقنت أن الأفراح الحقيقية ليست تلك التي تنتهي بانطفاء الأضواء وإنما التي تبقى أنوارها في القلوب، وأن البيوت لا تعمر بالحجارة، بل بالمودة، ولا تحفظها الجدران، بل يحفظها الإحسان. فإذا صلحت الأرحام دام الوئام، وإذا صدقت المحبة استقام المقام، وإذا بارك الله في البيوت أثمرت سعادةً لا تنقضي، وذكرا” طيبا” لا ينتهي، وحمدا” لله يتجدد مع كل صباح ومساء.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى